إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

نشاطاته العلمية و الثقافية

د. نذير حمادو

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيّه الذي مَنْ تمسّك بشريعته فاز ونَجَا، وعلى آله وصحبه الذين أناروا حالك الدُّجى، أما بعد:…

فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،…

أَوَّلُ ما أستهل به كلمتي هذه، هو قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاًّ ﴾ [ الأحزاب 23] صدق الله العظيم.

وأثني بقول الرسول الكريم : ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) [ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه].

وأُثَلِّثُ بقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله تعالى:

دَقَّـاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَـهُ                                       فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا

 إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَـائِقُ وَثَـوَانِي                                       فَالذِّكْرُ لِلإِنسَانِ عُمْرٌ ثَـانِي

لقد كان الشيخ سيدي عبد المجيد حملاوي الحسيني – طيب الله ثراه – خادماً للقرآن الكريم، خادما لكلام الله تعالى، وخادماً لأهل الله وخاصَّتِهِ، و مَنْ كانت هذه أوصافه نال الخيرية؛ بدليل قوله نبيِّنا الكريم  : ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ) ، ولم يَقُلْ: خَيْرُكُم مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ وحَفَّظَهُ؛ لأن التعليم أَعَمُّ؛ بحيث يشمل الحفظ، وتعلّم أحكامه وآدابه.

فالشيخ سيدي عبد المجيد حملاوي – رحمه الله تعالى – يعيش الآن معنا عُمُرَهُ الثاني، عُمُرَ الصدقة الجارية، عُمُرَ العِلم النافع، و عُمُرَ الولد الصالح، نجله الكريم الشيخ محمد الهادي – حفظه الله من كل سوء، وأبقاه ذخراً لهذه الزاوية العامرة بالقرآن الكريم والذِّكْرِ، والعِلْمِ الشريف-.

لقد كان الشيخ سيدي عبد المجيد حملاوي من خيار هذه الأُمَّةِ الطاهرة؛ بحيث أفنى عُمُرَهُ في خدمة القرآن الكريم، مِنْ جلب خيرة الْمُعَلِّمين، إلى النفقة السَّخيّة على طلبة القرآن والعلم، وما تَحْدِيثُ هذا الصرح القرآني والعلمي (الزاوية الحملاوية) إلا دليل على اهتمامه البالغ بتعليم القرآن الكريم وعلومه.

وقد تخرّج بهذه الزاوية المباركة حوالي 2000 طالب، كلّهم يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، أناروا بيوت الله بنور القرآن؛ فكانوا بذلك شُرْيان الحياة الإيمانية والنورانية على مساجد الجزائر الحبيبة عموماً، و على هذه منطقة خصوصاً، وبخاصة في شهر القرآن والصيام، شهر رمضان الكريم في صلاة التراويح.

وانتشار الخير في الأرض على يد إنسان دليل على قَبُول عمله، وهذا ما نعتقده في الشيخ سيدي عبد المجيد حملاوي قدّس الله سرّه، ونوّر ضريحه.

وهذا الأمر يأتي على رأس نشاطات الشيخ – رحمه الله -، العلمية والثقافية.

وقد أرسى الشيخ – رحمه الله -، دعائمَ الملتقى السنوي حول نصرة مذهب إمام الأئمة مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناصر السُّنَّة والدِّين؛ حيث يلتقي فيه خيرة الأساتذة والباحثين شرقاً وغرباً؛ ليتدارسوا فيما بينهم أصولَ هذا المذهب الذي اختاره المغاربة عموما عن قناعة وصدق وإخلاص؛ لأنهم يرون فيه المذهب الذي حافظ على وَحدتهم، وأسهم في حلِّ مشكلاتهم، زيادة على ذلك فهو مذهب مدينة رسول الله.

فكانت الملتقيات تُعقد، والمحاضرات تُلقى؛ قصد تنوير عقول الشباب بالفقه الصحيح المبني على الكتاب والسُّنَّة، وعلى صحيح المنقول وصريح المعقول.

إضافة إلى التعريف بالمذهب المالكي، كان للشيخ سيدي عبد المجيد حملاوي – رحمه الله- رغبة شديدة في التعريف برجالات الجزائر الأعلام في شتى أنواع الثقافة الإسلامية.

كما حرص كل الحرص على إبقاء قواعد أهل السُّنَّة والجماعة في هذه الربوع الطاهرة في مواجهة العقائد الوافدة والمغرضة التي تتنافى مع مذهبنا العقدي والفقهي، وسلوكنا الأخلاقي، وكان –رحمه الله تعالى- كثيراً ما يتمثّل بقول الإمام عبد الواحد بن عاشر الفاسي – رحمه الله تعالى-:

فِي عَقْدِ الأَشْعَرِيِّ وَفِقْهِ مَالِكِ                                    وَفِي طَرِيقَةِ الْجُنَيْدِ السَّالِكِ

واللهُ يشهد أن الشيخ – رحمه الله تعالى – كان حريصاً على إحياء ليلة مولد خير البَرِيَّةِ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، هذه الليلة التي شَرُفَت بولادة خير خلق الله فيها؛ وذلك إيمانا منه وحُبًّا واعتزازاً بصاحبها عليه الصلاة والسلام.

إضافة إلى مشاركاته الفعَّالة في الملتقيات العلمية حول التصوف؛ حيث شارك في المغرب الأقصى، وهنا في بلادنا ( الجزائر )، وفي تونس، وليبيا، ومصر، وسورية، وتركيا، وغيرها من البلاد الإسلامية.

وقد تمخّض عن هذه الملتقيات وهذه اللقاءات المباركة عملٌ جليلٌ يبقى صدقة جارية وعلماً يُنتفع به، وذخراً لهذه الزاوية العلمية والجهادية، ألا وهي ” مجلة منبر الإمام مالك ” التي كانت ولا تزال لسانَ حال العلم والثقافة في هذه الزاوية العامرة.

أما حبُّ سيدي عبد المجيد حملاوي لوطنه؛ فلا يماري فيه أحدٌ؛ إذ هو المجاهد في صفوف جيش التحرير في ثورته المباركة، وهو القائد بعد الاستقلال والتحرير، وكنتُ إذ تحدّثتُ معه على حُبِّ الوطن يُذَكِّرُنِي بقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله تعالى:

بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ                                     وَقَوْمِي إِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ

هذه كلمات جادت بها القريحة عن سيدي عبد المجيد حملاوي- قدّس الله سِرَّهُ، في هذا اللقاء المبارك، وإن كان مقامُه وجهادُه أعلى وأسمى.

حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ                                        حَنَثْتَ يَمِينَكَ يَا زَمَانُ فَكَفِّرِ

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته.

الأستاذ الدكتور: نذير حَمَادُو

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة