إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

كـلـمـة ترحـيـبـية

سيدي محمد الهادي حملاوي

الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ” الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، و رفع الذين أوتوا العلم درجات، و جعل العلم سببا في معرفته تعالى حيث قال سبحانه “فا علم انه لا اله إلا الله “، و قصر حق معرفته على العلماء العارفين به حيث قال تعالى “إنما يخشى الله من عباده العلماء”، و جعل سيدنا محمدا-صلى الله عليه واله و سلم- أول و أشرف العارفين بالله، و تاج خلق الله كلهم، فاللهم صلي على سيدنا محمد بحر أنوراك ،و معدن أسرارك، ولسان حجتك، و عروس و طراز مملكتك، و إمام حضرتك، و خزائن رحمتك، وطريق شريعتك، صلاة ترضيه و ترضيك و ترضى بها عنا، و على اله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

أما بعد :

أيها الحضور الكريم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

لي ، و لأسرة الزاوية الحملاوية، عظيم الشرف أن أرحب بكل الضيوف الكرام، الذين شرفونا في هذه المناسبة من:

• شيوخ زوايا القرآن الكريم و السند الصوفي الصحيح.

• إطارات و مسؤولين و سلطات مدنية و عسكرية.

• و دكاترة و أساتذة و باحثين.

• أئمة و أعوان بيوت الله تعالى و أهل الطريق.

• وقدامى الطلبة.

• و جميع المريدين و المحبين.

أهلا وسهلا بكم في زاويتكم وبين أهلكم.

هذه الزاوية التي تعتبر من الزوايا العريقة في الجزائر ، و معلم من معالم القرآن الكريم في الأمة المحمدية فقد تأسست منذ حوالي ثلاثة قرون و نصف في هذه المنطقة على يد رجال الأسرة الحملاوية، التي تعد من الأسر الدينية العريقة ، المشهورة بالعلم و الصلاح و الفضل، فقد كانوا يرثون راية خدمة القران الكريم كابرا عن كابر، حتى برز من أبنائها الشيخ سيدي علي بلحملاوي الذي كان من العلماء الربانيين ، ومن اكبر أولياء الله الصالحين ومن مشايخ التربية و السلوك على الطريقة الرحمانية الخلوتية ، التي أخذها عن شيخه سيدي الحداد -رضي الله عنه- و لما أعلن هذا الأخير الثورة على فرنسا سنة 1871 م ،كان الشيخ علي بلحملاوي في مقدمة المجاهدين ، و بعد نهاية الثورة و ما ترتب عنها من أثار و نتائج، كرس الشيخ سيدي علي حياته لنشر القرآن و العلم و التربية، فكان أن تخرج على يده الكثير من العلماء و الصالحين فقد بلغ عدد المقاديم و فروع الزاوية داخل و خارج الوطن- في عهده-400 مقدم، و كان عدد المريدين 44 ألف مريد.ومما قيل في مدحه نذكر هذه الأبيات لأحد علماء تونس:

نسيم الصبا بالله بلغ تحيتي

علي فريد العصر مصباح قطره

نزيه عظيم النفس قد عم فضله

فصيح اللسان عالم و مفخم

إلى و لد الحملاوي شيخي و قدوتي

و لي زكي قد تحلى بسنة

تقي نقي العرض شيخ الطريقة

حميد خصال ذو حياء و عفة

و هكذا قضى عمره في خدمة القرآن الكريم حتى وافته المنية و التحق بجوار ربه ، فخلفه ابنه الشيخ الحفناوي ثم اخوه الشيخ احمد بن سيدي علي ، ثم أخوه الشيخ سيدي عبد الرحمان بن سيدي علي الحملاوي ، الذي كان من كبار الأولياء الواصلين، و من أصحاب الكرامات و الأسرار ، فقد عرفت الزاوية في عصره تطورا كبير من الناحية العلمية و الروحية، و بعد حياة حافلة بالعمل الصالح توفي الشيخ عبد الرحمان في سنة 1942 م فتولى شؤون الزاوية ابنه الشيخ عمر المتخرج من جامع الزيتونة، و الذي في عهده فتح المعهد الكتاني بقسنطينة ، فأينعت ثمار الزاوية و تخرج منها الكثير من العلماء و الصالحين و غيرهم من الإطارات و المسؤولين الذين تولوا مناصب سامية في الدولة الجزائرية المستقلة نذكر منهم: عبد المجيد الشافعي، العربي سعدون، تركي رابح، سليمان بشتون، محمد بو خروبة المعروف بهواري بومدين الرئيس الجزائري الراحل، و غيرهم كثير و بعد وفاة الشيخ عمر و التحاقه بالرفيق الأعلى، تولى الخلافة و المشيخة و حمل راية خدمة القرآن الكريم أخوه الشيخ سيدي عبد المجيد بن الشيخ عبد الرحمان الذي قال فيه والده متفرسا “يا سعد لي حضر لدولة عبد المجيد”

الشيخ عبد المجيد –رحمه الله و طيب ثراه- هو سبب اجتماعنا اليوم، و إنها لمناسبة أليمة على قلوبنا و سعيدة في آن واحد، أليمة لفقدان و فراق والدنا العزيز ، و شيخنا الجليل ، و حبيب قلوبنا ، و قرة أعيننا، و منهاج حياتنا، القدوة و النور الساطع، خادم القرآن الكريم-رضي الله عنه- وسعيدة بهذا الحضور الكريم الذي لبى الدعوة و كذلك بالذين اعتذروا بأسى كبير لأسباب خاصة فهذا الحضور الكريم شهادة على صلاح هذا الرجل العظيم ، وكما قال الصالحون: إذا اجتمع أربعون رجلا يذكرون الله ، كان فيهم وليا من أولياء الله، و دعاء الأولياء مستجاب إن شاء الله ، وان هذا مما يسعدنا و يؤكد لنا أن والدنا العزيز من المرحومين و المكرمين و من أهل الخير في الدين و الدنيا والآخرة وهو شهيد خدمة القرآن الكريم “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”، فهو حي في قلوبنا ، و في بصيرتنا و عند الله حي يرزق أمين.و إذا أردنا أن نتكلم على هذا الولي الصالح ، فإن الأقلام تجف ، و الصحائف تمتلئ ، و الأفكار تهيم، في أنواره المستمدة من القرآن العظيم و لهذا نتعرض بإيجاز لبعض جوانب حياته و نترك المجال لأصدقائه ، و محبيه ، من علماء ودكاترة، ومشايخ، و طلبة، وعسكريين للحديث عن هذا الرجل العظيم ، و هذه الشخصية الفذة.

فهو الشيخ عبد المجيد بن الشيخ عبد الرحمان بن الشيخ سيدي علي بن الحاج الحملاوي و يرتفع نسبه إلى سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم.ولد يوم الاثنين 13 جوان 1938 م بالزاوية الحملاوية، و توفي بها يوم الاثنين 09 نوفمبر 2009 م، حيث ترعرع في رحاب القرآن الكريم وتشبع من أسراره وحكمه وعلومه النورانية في الزاوية الحملاوية، ثم انتقل إلى جامع القرويين بالمغرب ، ثم المعهد الكتاني بقسنطينة، ثم جامع الزيتونة بتونس ، و لأن نداء الوطن كان أقوي مما جعله يلتحق بالجيش و ينضم إلى الثورة من سنة 1957 م إلى سنة 1962 م ، ومن جيش التحرير الوطني التحق بالجيش الشعبي الوطني إلى أن نال تقاعده.وكما شارك الشيخ عبد المجيد في تحرير وطنه من الاستعمار الفرنسي، شارك في تحرير قناة السويس من المستعمر الصهيوني أما جهاده الأكبر فهو خدمة القرآن الكريم، و الزاوية الحملاوية، والجزائر الحبيبة بالاهتمام بالشباب الذي هو مستقبل وعماد الجزائر، اهتماما روحيا، دينيا، وعلميا، و وطنيا.

و قد تعدت اهتمامات الشيخ –رحمه الله-حدود الوطن، إلى قضايا الأمة الإسلامية فكان يساهم في المؤتمرات و الندوات الدولية في عدة بلدان إسلامية، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”. فكان حقا رجلا عظيما في نفسه، و في دينه، و في خدمة وطنه، ومع أولاده، فقد أخذنا منه الكثير، و ربانا على الخير والصلاح، وحب الله و الرسول و القرآن، و التعلق بالوطن والدفاع عنه.و قد كان كلامه كله حكم و علم و نور، ومن كلامه و وصاياه نسرد بعضا منها للذكرى

• “يا و لدي لا تغتر بكلمة شيخ فنحن يا و لدي ليس كذلك، بل نحن خدام القرآن و خدام عباد الله”

• و كان بإصبعه يدق على صدري من جهة القلب و يقول لي:”يا ولدي كن مخلصا لله في جميع أحوالك”

• و كان يقول:”قابل أهل الدنيا بالمظاهر، و قابل أهل العلم بالصمت، و قابل أهل الله بالقلب”

• وكان يقول لي:”يا ولدي من البيت إلى المحضرة، ومن المحضرة إلى البيت، ثم إلى المحضرة، حتى تحمل إلى المقبرة”

• وكان يقول:”السبيحة و اللويحة حتى تخرج الرويحة”

• و قال لي ذات مرة:”يا و لدي لا تتعب نفسك في هذه الدنيا فأنا و أنت خلقنا من أجل الزاوية”

• و كما قلنا ففي كلامه وصايا وحكم في التصوف و العلم و الحكمة و غيرها.

أما في الأسرار الربانية فحدث عن البحر و لا حرج ، و لكن الشرع لا يسمح لي بذكرها، و كما قال الصالحون : الحقيقة عورة و هي مسطورة في الشريعة ، فالشريعة هي الجسم و الحقيقة هي الروح ، و كل ما أستطيع قوله شهادة أمام الله و أمامكم، أن الشيخ عبد المجيد –رحمه الله- من كبار أولياء الله ومن كبار العارفين بالله، ومن أحباب الله و رسوله.

هذا ما عشته و شاهدته و تحققت به معه في حياته، و عند و فاته و بعدها، و لقد كانت أخر و أحب و أعظم و أشرف وصية أوصاني بها والدي –رحمه الله-هي “القرآن و الوطن، القرآن و الوطن، القرآن العظيم و الجزائر الحبيبة”

فرحمه الله رحمة واسعة، و ألحقه بالصالحين وطيب الله ثراه ، و نور ضريحه.

يا قاصد ميلة بسمل و هلل

اثبت يا مومن ماتكونش غافل

بلحملاوي كان عالم و بطل

ميزان الراجل في الدنيا بجبل

الرحمانية في العالم تسال

القطر الوطني عنو تهول

جاهد بالقلم و السلاح حمل

لحظة من عمر و على الزاوية ما

الزهد و العفة سكنو في راجل

ابكي يا ميلة على هذا الرجل

و على رسول الله كثر الصلاة

شوف الصالحين تركوا بصمات

الشيخ عبد المجيد فيه كل الصفات

و الجبل إذا راب يتحول فلات

هذه الفاجعة اختارت و ادات

الأب الروحي صانع المعجزات

و تقلد رتب اعلي الدرجات

غفل، تطعم و تعلم أم الجامعات

الشيخ عبد المجيد قدوة يا سادات

الشيخ عبد المجيد راجل كرامات

أيها الحضور الكريم

أجدد ترحابي بكم، و أتقدم لكم بالشكر و العرفان على تلبيتكم دعوتنا، و أدعوا الله أن يجازيكم عن الشيخ عبد المجيد و عن الزاوية الحملاوية خير الجزاء بما هو أهل له أمين.

“رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن اعمل صالحا ترضاه و أصلح لي في ذريتي إني تبت إليك و إني من المسلمين”

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

سيدي محمد الهادي حملاوي الحسيني

شيخ الزاوية الحملاوية

كُتب يوم