إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

في ذكرى رحيل الشيخ المجاهد سيدي عبد المجيد حملاوي

عبد الرحمان حملاوي

إن الحمد لله نحمده و نشكره و نستعينه و نستغفره و نستهديه و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهديه الله فهو المهتدي و من يظلله فلن تجد له وليا مرشدا و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله “يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون ” “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ” يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ، يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما ” و بعد :

إن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي رسوله الكريم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة، و بمناسبة حلول الذكرى الأولى لوفاة الشيخ المجاهد فقيد الأمة و خادمها الفذ العارف بالله تعالى ، الشيخ عبد المجيد بن عبد الرحمان بن علي بن حملاوي ، و بمناسبة فعاليات اليوم الدراسي الذي تنظمه الزاوية الحملاوية حول هذه الشخصية في غضون شهر مبارك (ذو الحجة ) من سنة 1431 من هجرة المصطفى (ص) الموافق لشهر النار و الانتصار نوفمبر الأغر ، بمقر الزاوية بلدية واد سقان دائرة التلاغمة ولاية ميلة المحمية .

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ، السيد الوالي و الطاقم المرافق له، السيد رئيس الدائرة ، السادة رؤساء البلديات، أجهزة الأمن ، السادة العلماء و الأئمة و طلاب العلم ،و السادة الحضور من أقارب و إخوان و أحباب و أصدقاء و محبين.

السيد شيخ الزاوية الحملاوية محمد الهادي بن حملاوي الحسيني ، حللتم أهلا و نزلتم سهلا و تبوأتم من الجنة منزلا.

هذه خواطر سجلتها في عجالة من أمري فلكم مني غنمها وعلي فيما أخطئت غرمها ، قال الإمام أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث رحمه الله :

و قل إن خير الناس بعد محمد

ورابعهم خير البرية بعدهم

و أنهم و الرهط لا ريب فيهم

سعيد و سعد و بن عوف و طلحة

و قل خير قول في الصحابة كلهم

فقد نطق المحي المبين بفضلهم

وزيراه قدما ثم عثمان الأرجح

علي حليف الخير بالخير منجح

على نجب الفردوس في الخلد تسرح

و عامر فهر و الزبير الممدح

ولاتكن طعانا تعيب وتجرح

و الفتح أي الصحابة تمدح

الوفاء قليل في البشر وأوفى الأوفياء من يفي للأموات أن النسيان غالبا يباعد بين الأحياء و الأموات فيغمطون حقوقهم و يجحدون فضائلهم وما رأيت في حياتي رجلا جمع بين العمل و الجد و الجهد و الوفاء للوطن و الدين و الصديق و الغريب مثل ما جمع هذا الرجل ، ومن أعلى ما امتاز به من شرف الخلال و نكران الذات فلا يزال يعمل الأعمال التي تعجز عنها الجماعات و هو مع ذلك لم يكن ينسب الفضل إلا لإخوانه و رفقائه الأحياء و الأموات.

إذا ذهب الوفاء فلا وفاء و لا دنيا لمن لم يحي دينه و من رام الحياة من غير دين فقد جعل الفناء لها قرينة

وفي التوحيد للهمم اتحاد و لن تبلغوا العلا متفرقين و إن العلم ينزع بموت العلماء قال تعالى : “إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله و رسوله و إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ” سورة النور ، الآية 62. فإذا كان من لوازم الإيمان فإنهم لا يذهبوا مكانا إذا كانوا معه إلا بعد استئذانه ، فمن باب أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولامذهب عملي إلا بعد استئذانه و إذنه يعرف بدلالة ما جاء به علي إنه أذن فيه و العلماء رضي الله عنهم هم العارفون بلوازم هذا الذي أذن فيه رسول الله (ص ) أو لا يأذن فإذا فقدت الأمة علمائها افتقدت إلى المعرفة بمراد الله تعالى من كتابه و مراد رسوله (ص ) ، قال عبد الله بن مبارك : صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس و إذا فسدا فسد الناس ، ألا وهم العلماء و الأمراء ، وصلاح الأمراء لن يأتي ألا بصلاح العلماء ، فكانوا هم السادة و القادة

روى الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال :” حج علينا عبد الله بن عمر بن العاص فسمعته يقول ، سمعت رسول الله يقول إن الله لا ينزع العلم بعد إذا اعطاكموه انتزاعا و لكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى الناس جهالا ، يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون و يضلون ” أخرجه البخاري في كتاب العلم و الشيخ رحمه الله غليه ممن انتبه لمثل هذا ، فراح يبذل الغالي و النفيس من أحل إعادة جذوة العلم في أمة محمد (ص ) فقد اعتنى أولا بتحفيظ القرآن الكريم مقتديا بأسلافه الميامين ثم بعد ذلك اعتنى اعتناءا خاص بنشر و إرساء قواعد المذهب المالكي مما تميز به هذا المذهب الفقهي من الإبقاء على وحدة الأمة و انسجامها في صورة تكاد تكون فريدة من نوعها لاسيما في المغرب الإسلامي و لم يكتفي الشيخ بهذا فقط و لكنه سجل للتاريخ طفرة بإنشاء مجلة منبر الإمام مالكو التي نشكر من خلالها جهود المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في نشرها و الإعتناء بها و إعطاءها حقها و مستحقها من الإجلال و التقدير ، من خلال هذه المجلة أيضا راح الشيخ يجمع شتات ما تفرق في الأمة من بقايا أهل العلم و المعرفة غاضا النظر عن الانتماءات الضيقة التي حالت دون نهوض الأمة فقد ساهم بحق في إحياء جزءا ليس باليسير من ثقافة الأمة و تاريخها و أسباب نهضتها .

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم

و بقيت في سلف أزكى بعضهم بعضا

أبوني إن من الرجال بهيمة في صورة

فطن بكل مصيبة في ماله

جالس الفقيه تكن فقيها مثله

و المنكرون لكل أمر منكر

ليدفع معور عن معور

الرجل السميع المبصري

و إذا أصيب في دينه لم يشعر

من سعى في علم يظفر

إن الشيخ عبد المجيد بن حملاوي كانا فذا ، وهكذا كنت أراه .

1/ كنت أراه بكريا ، متساميا إلى معالي الحياة طاغيا عن القيود العائقة دونها ، متقد العزمات .

2/كنت أراه عمريا مقداما عن العظائم في غير تهور ، محجاما عن الصغائر في غير جبن ، مقدرا مواقف الرجال .

3/ كنت أراه عثمانيا مقبلا على العلم و المعرفة للخير و النفع في تلك الجلسات و اللقاءات .

4/كنت أراه عاليا تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب و شهامة الفؤاد .

5/ كنت أراه بقية السلف و شامة الخلف في حرص على إصلاح و تواق إلى الفلاح .

6/ كنت أراه جوادا لا تقف دونه حدود يرى كل عربي أخ له أخوة البشرية فلكل أخوة حقها عنده .

7/ كنت أراه يهوى ما يهواه المتبني قال:

و أهوى من الفتيان كل سميع

خطت تحته العيس الفلاة

اريب كصدر السمهري المقومي

و خالطت به الحيل كبات الخميس العرمرم

8/ كنت أراه محمدي الشمائل غير صخاب ولا عياب غفى عن الخلق و محارم الخالق مقصور اللسان إلا عن دعوة إلى الحق أو صرخة في وجه باطل لا تنطوي أحناؤه على بغض ولا ضغينة .

9/ كنت أراه محمدي في محراب الصلاة و المناجات في الخلوات .

10/ كنت أراه محمدي يتقلب في الطاهرين و الطاهرات ارتضع افاويق الإصلاح صبيا لم يمسسه زيغ العقيدة و لا غشية عقله سحب الخرافات بل وجد المنهج واضحا فمشى غلى دربه .

11/ كنت أراه متعلقا بخالقه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله يراه مملوء قلبه بالخوف منه إلى آخر اللحظات .

12/ كنت في الحقيقة أرى جانبا من البلور الشديد اللمعان ، فرحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح الجنات .

أيها الحضور الكريم لقد اجتمع لشيخنا عبد المجيد بن حملاوي ما لم يجتمع لغيره و التاريخ حكم بين الناس و سوف :

تخبرك الأيام بما كنت جاهله

وليس على الله مستنكر

و يأتيك بالأخبار من لم تزود

إن يجمع العالم في واحد

و المجال لساد ة والعلماء و الأئمة الذين صاحبوا الشيخ و التقوا به أو تعرفوا عليه أن يذكروننا بما خفي علينا من قضايا و مسائل تتعلق بهذه الشخصية الفذة.

و اختم قولي هذا بقول الشاعر:

نحن بنواالشيخ الهجان الأزهر

قضاعة ابن مالك ابن الحمير

في النسب المعروف غير منكر

في الحجر المنقوش تحت المنبر

هذا و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه.

 

عبد الرحمان بن مكي حملاوي

إمام متطوع