إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

الإمام القرطبي و منهجه في التفسير

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على ﺁلو و صحبه و من تبع هديه إلى يوم الدين، أما بعد: فالتفسير من أعظم العلوم و أرفعها و هي رأس العلوم الدينية و أسها، عليه ترتكز و منه تقتبس و لا يتصدى لهذا العلم إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها و فروعها و عرف أسرار اللغة العربية و قواعدها و ألم بالفنون الأدبية إضافة إلى ما يقتضيه هذا العلم من معرفة التاريخ و السير و غيرها من العلوم التي لا غنى عنها للمفسر.

و أبو عبد الله القرطبي واحد من العلماء الأعلام الجامعين لفنون العلوم و الذين وقفوا حياتهم على الدرس و البحث و التمحيص حتى أصبح عطاؤهم منارة الهداية تنير العقول و تهدي القلوب و كتابه ” الجامع لأحكام القرﺁن ” دليل على عظمة الرجل و علو شأنه في الدين إذ يعتبر كتابه من أعظم التفاسير نفعا و أكثرها جدوى و أعمها فائدة.

فالمطلع على هذا الكتاب يرى مبلغ ما بذله الإمام الفذ من جهد و عناية في البحث و التحليل و استنباط الأحكام من نصوص الكتاب الكريم و يقف على ما يتمتع به من مقدرة فائقة على فهم كتاب الله و إلمام عميق بأصول الشريعة و فروعها و معرفة واسعة بلغة العرب و ﺁدابهم و أشعارهم، يتجلى ذلك في استشهاده بكثير من النصوص الشرعية و النثرية في مؤلفه العظيم هذا مما يشهد له بطول الباع وسعة الأفق.

و قد وضع المؤلف نفسه منهجا في كتابه هذا فقال في المقدمة: ” و شرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائلها و الأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال” من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله و كثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه و التفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع عل كتب الحديث فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم و معرفة ذلك علم جسيم “. فلا يقبل منه الاحتجاج به و لا الاستدلال حتى يضيفه إلى من أخرجه من الأئمة الأعلام و الثقاة المشاهير من علماء الإسلام و نحن نشير إلى جمل من ذلك الكتاب ، ثم قال: [ أضرب عن كثير من قصص المفسرين و أخبار المؤرخين إلا ما لابد منه و لا غنى عنه للتبيين و اعتضت من ذلك تبيين ﺁي الأحكام بمسائل نفسر عن معناها و ترشد الطالب إلى مقتضاها فضمنت كل ﺁية حكما أو حكمين فما زاد مسائل أبين فيها ما تحتوي عليه أسباب النزول و التفسير و الغريب و الحكم فإن تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير و التأويل هكذا إلى ﺁخر الكتاب ].

و الذي يقرأ تفسيره هذا يجد أن القرطبي قد وفى بغالب ما شرط على نفسه فهو يعرض لذكر أسباب النزول و القراءات و الإعراب و يبين الغريب من ألفاظ القرﺁن و يحتكم كثيرا إلى اللغة و يكثر من الاستشهاد بأشعار العرب و يرد على المعتزلة و القدرية و الروافد و الفلاسفة، و غلاة أرباب التفسير الرمزي و لكن لم يسقط القصص بالمرة بل أضرب عن كثير منها.

و عنوان كلمتي منهج الإمام القرطبي في التفسير

و لما كان كتابه جامعا لأحكام القرﺁن مترامي الأطراف لم يكن بالإمكان أن يتحدث المرء عن القرطبي و جامعه في محاضرة أو محاضرتين لهذا اخترت أن أتحدث عن العناصر التالية:

-تعريف القرطبي: أما مؤلف هذا التفسير فهو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر فرح الأنصاري الخزرجى الأندلسي القرطبي المفسر.

كان رحمه الله من عباد الله الصالحين و العلماء العارفين الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة و كانت أوقاته كلها معمورة بالتوجه إلى الله بعبادته تارة و بالتصنيف تارة أخرى حتى أخرج للناس كتبا انتفعوا بها، و من مصنفاته كتابه في التفسير المسمى ( الجامع لأحكام القرﺁن ) و هو ما نحن بصدده و من كتبه أيضا شرح أسماء الله الحسنى، ز كتاب التذكار في أفضل الأذكار، و كتاب التذكرة بأمور الآخرة، و كتاب شرح التقصي، و كتاب قمع الحرص بالزهد ة القناعة، و له مؤلفات غير هذه مفيدة.

سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب كتاب، المفهم في شرح صحيح مسلم، بعض هذا الشرح و حدث عن الحافظ أبي علي الحسين بن فهد البكري و عن الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن حفص الصحفي و غيرهم. و كان مستقرا بثنية بني خصيب و توفي و دفن بها في شهر شوال سنة 671 هجرية فرحمه الله رحمة واسعة.

مصادر القرطبي في تفسيره.

عندما يطالع القارئ كتاب الجامع لأحكام القرﺁن للإمام القرطبي يحسب أنه إمام موسوعة عظيمة حوت كثيرا من العلوم، و لا شك أن لقرطبي روافد كثيرة أمدته و أعانته على أن يخرج كتابه على هذه الصورة، و لا يستطيع الباحث أن يتقصى كل هذه الروافد فدون ذلك عقبات و لكن لا بأس أن نكشف عن بعض مصادره التي تأثر بها من الفنون المختلفة.

مصادر القرطبي من كتب التفسير.

لقد أفاد القرطبي من مؤلفات كثير من المفسرين و كان موقفه منهم أن يعرض ﺁرائهم مكتفيا بهذا العرض أحيانا و معقبا عليها و مناقشا لها ورد بعضها أحيانا أخرى و من هنا ظهرت شخصيته في تفسيره و من هذه المؤلفات : –

  • إعراب القرﺁن لأبي جعفر النحاس المتوفى سنة 338 هجرية. لقد تأثر به القرطبي في إعراب القرﺁن.
  • معاني القرﺁن لأبي جعفر النحاس أيضا أفاد منه كثيرا و نقل عنه.
  • جامع البيان في تفسير القرﺁن لأبي جعفر الطبري المتوفى سنة 310 هجرية نقل القرطبي عنه و تأثر به كثيرا.
  • التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل للمهدي المتوفى سنة – 430- هجرية أفاد منه و تأثر به.
  • تفسير الماوردي أبوا الحسن علي بن محمد الماوردي المتوفى سنة- 450- هجرية نقل عنه القرطبي و تأثر به كثيرا.
  • تفسير النقاش و يسمى شفاء الصدور لأبي بكر النقاش المتوفى سنة- 351- هجرية نقل عنه و تعقب صاحبه ورد عليه كثيرا.
  • أحكام القرﺁن لكيا الطبري و هو أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف ” بالكيا ” المتوفى سنة- 504- هجرية لقد أفاد القرطبي من أحكام القرﺁن لكيا الطبري حتى لقد كان ينتصر لرأيه على ابن العربي كما سنرى.
  • أحكام القرﺁن لابن العربي المتوفى سنة 543 هجرية لقد أفاد القرطبي من أحكام القرﺁن لابن العربي و ناقشه و رد تحامله و هجومه على المخالفين و سنذكر أمثلة لذلك.
  • تفسير مكي بن أبي طالب لمتوفى سنة 437 هجرية المسمى الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرﺁن و تفسيره و أنواع علومه.
  • مشكل إعراب القرﺁن لمكي بن أبي طالب أيضا. لكن القرطبي فيما ينقل عنه و قد تأثر به كثيرا.

هذا و أفاد القرطبي أيضا من كثيرا من كتب القراءات نخص منها: كتاب الحجة في علل القراءات السبعة لأبي علي الفارسي المتوفى سنة- 377- هجرية و هو كتاب في التفسير و القراءات و النحو و الإعراب أفاد منه القرطبي كثيرا، و نذكر كذلك كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات و الايضاح عنها لابن جني فقد نقل القرطبي عنه كثيرا من التوجيهات الشاذة. هذا و لم نذكر مصادره في الحديث و الفقه لكونها معروفة.

موقف القرطبي من التفسير بالرأي:

المراد بالرأي هذا التفسير الذي لم تستند إلى مأثور عن النبي صلى الله عليه و سلم و لا عن الصحابة و قد اختلفت أنظار العلماء في التفسير بالرأي هل يجوز أو لا، فمنعه بعضهم و لو كان المفسر عالما متسعا في معرفة الأدلة و الفقه و النحو و الأخبار و الآثار و إنما عليه أن ينتهي المفسر إلى ما روى عن النبي و عن الذين شاهدوا التنزيل و استدل هؤلاء بما روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: ( من قال في القرﺁن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه أبو داود عن جندب.

و قوله: ( اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار و من قال في القرﺁن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي.

كما استدلوا بموقف بعض الصحابة و التابعين الذين تحرجوا عن القول في القرﺁن بآرائهم كقول أبي بكر رضي الله عنه: ” أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت في القرﺁن برأيي “.

و لكن القرطبي لا يرتضي هذا المسلك فيجيز التفسير بالرأي و يفتح المجال لكل من عنده مؤهلات الفهم و الاستنباط – و يقول: إن كتاب الله يحوي بين دفتيه ﺁيات تحث على الاعتبار و التدبر كقوله تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ﺁياته و ليتذكر أولوا الألباب )، و قوله: [ و لقد ضربنا للناس في هذا القرﺁن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرﺁنا عربيا غير ذي عوج ] و قوله: [ أفلا يتدبرون القرﺁن أم على قلوب أقفالها ].فهذه الآيات و أمثالها تدل على أن الله تعالى عدا عباده إلى تدبر القرﺁن و الاعتبار بآياته و الاتعاظ من مواعظه، و ذلك لا يكون إلا بفهم تأويله، و هل يعقل أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له و لا يعقل تأويله اعتبر بمد لا فهم ل كبه و لا دراية لك بشأنه، إن ذلك يكون ضربا من العبث تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ثم ناقش القرطبي ما تمسك به المانعون للتفسير بالرأي.

أما حديث جندب: ” من قال في القرﺁن برأيه فأصاب فقد أخطأ ” فلم تثبت صحته عند المحدثين لضعف احد رواته. و على فرض صحته فإن المراد بالرأي الذي ذمه الرسول صلى الله عليه و سلم هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى النظر في أدلة العربية و مقاصد الشريعة و تصريفها و ما لابد منه من معرفة الناسخ و المنسوخ و سبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم لأنه لم يكن له مضمون الصواب.

و يجاب عن الحديث الثاني بأنه محمول على مغيبات القرﺁن و مشكلاته بمد لا سبيل إليه بالتوفيق، فمن قال في مشكل القرﺁن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة و التابعين فهو متعرض لسخط الله أو يكون المراد به أن من قال في القرﺁن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار.

أو يحمل النهي الوارد عن القول في القرﺁن بالرأي لمن يكون له ميل أو نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرﺁن وفق رأيه و يصرفه عن المراد و يرغمه على تحميله مالا يساعد عليه المعنى المتعارف عليه و يمنعه عن فهم القرﺁن حق فهمه ما قيد عقله من التعصب.

و ما روي عن أبي بكر من قوله: ” أي سماء تظلني … ” فذلك من الورع خشية الوقوع في الخطأ، و في كل ما لم يقم فيه دليل أو في مواضع لم تدع الحاجة إلى التفسير فيها ألم تر أنه سئل عن الكلالة في ﺁية سورة النساء فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله و إن كان خطأ فمني و من الشيطان ، و على هذا المحمل ما روي عن سعيد ابن المسيب الشعبي و غيرهما من السلف من إنكار التفسير بالرأي مبالغة في الورع و دفعا لاحتمال الضعيف.

هذا موقف القرطبي من التفسير بالرأي و هو مسبوق بالغزالي و ابن عطية و العنبري و غيرهم فيما وصل إليه، غير أنه لا ينبغي أن نفهم من موقف القرطبي هذا أنه أهمل التفسير المأثور، كلا بل دعا إلى التفسير المأثور أولا كما هو واضح من قوله: ” و النقل و السماع لابد له – لأي المفسر- منه في ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط ” إلى آخر ما قاله.

و يبد أن هذا ليس دعوة إلى التفسير المأثور فقط و إنما هو فوق ذلك دعوة إلى عدم الانتقال إلى الاجتهاد و الرأي إلا بعد سماع أو معرفة ما قاله أئمة الدين و العربية، و ذلك أيضا بعد توفر أسبابه و مؤهلاته.

منهج القرطبي في التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه و سلم

و من هنا نرى القرطبي كثيرا ما يعرض للتفسير المأثور عن الرسول صلى الله عليه و سلم و كان منهجه في ذلك أنه يقف عنده و يقتصر عليه لا يتعداه في شرح اللفظ و الآية و لا يستعرض غيره من ﺁراء المفسرين لأنه لا مجال للاجتهاد و الرأي مع النص و إليك أمثلة في مسلكه هذا، في قوله تعالى: ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) يفسر الحساب اليسير بأنه الذي لا مناقشة فيه قائلا: كذا روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ( من حوسب يوم القيامة عذب ) قالت فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله: ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) فقال: ليس ذاك الحساب إنما ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب “.

و إذا تعارضت بعض الآراء في تفسير ﺁية مع ما أثر عن الرسول رجح المأثور ورد ما خافه، ففي قوله تعالى: ( للذين أحسنوا الحسنى و زيادة ) يقول القرطبي. روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه سئل عن قوله تعالى( و زيادة ) قال الذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى و هي الجنة ( و الزيادة ) النظر إلى وجه الله الكريم.رواه ابن أبي حاتم ثم يقول و هو الصحيح في الباب غير ملتفت إلى الآراء الأخرى في تفسير قوله ” و زيادة “.

و في قوله: ( إنا أعطيناك الكوثر ) يروي اختلاف الناس في الكوثر الذي أعطيه النبي على ستة عشر قولا. الأول منه انه نهر في الجنة.رواه البخاري عن انس، و في رواية للنسائي قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا الله و رسوله أعلم: قال إنه نهر و عدنيه ربي عز و جل عليه خير كثير و هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ﺁنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي فيقال لا تدري ما احدث بعدك.

ثم يذكر القرطبي بقية الآراء في الكوثر فقيل إنه النبوة – و الكتاب- و قيل فيه الإسلام – و قيل الإيثار – و قيل الفقه في الدين إلى ﺁخر ما ساقه.

ثم يعقب على ذلك بقوله: قلت: الأصح من هذه الأقوال الأول و الثاني لأنه الثابت عن النبي. هكذا يسير القرطبي في التفسير المأثور عن الرسول صلى الله عليه و سلم يقف عنده و لا يتجاوزه متى ثبت بطرق صحيحة.

منهجه في التفسير المأثور عن الصحابة و التابعين.

لم يهمل القرطبي التفسير المأثور عن الصحابة و التابعين فضمن كتابه ” الجامع لأحكام القرﺁن ” بهذا اللون من التفسير و لكنه يقرن بين الأقوال إذا اختلفت و يحاول الجمع بينها إن أمكن، ففي قوله تعالى: ( و إذا خلوا إلى شياطينهم ) يقول القرطبي: اختلف المفسرون في المراد بالشياطين، فقال ابن عباس و السدى: هم رؤساء الكفر، و قال الكلبي: هم شياطين الجن، و قال جمع من المفسرين هم الكهان، ثم يقول و لفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان يعم جميع ما ذكر.

فإذا تعذر الجمع لجـأ إلى المفاضلة و الترجيح فيختار من الآراء ما تؤيده الأدلة و القرائن سواء كان الرأي منسوبا إلى الصحابي أو التابعي أو إلى غيرهم من المفسرين.

و تقوم قواعد الترجيح عنده غالبا إما على عموم المعنى أو دلالة اللغة، و إما على سياق الآيات، أو على ما تشهد له الأحاديث و إما على دلالة بعض القراءات المفسرة.

و كتابه مليء بالترجيح بين الأقوال بناء على الأسس و القواعد، ففي تفسير قوله تعالى: ( الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون ).يقول القرطبي: اختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا فقيل: الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة و هو قول ابن عباس – و قيل المراد نفقة الرجل على أهله – و روي هذا عن ابن مسعود لأن ذلك أفضل النفقة كما جاء في الحديث( دينار أنفقته في سبيل الله، و دينار أنفقته في رقبة، و دينار تصدقت به على مسكين، و دينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ) رواه مسلم. و قيل المراد بالنفقة هنا صدقة التطوع نظرا إلى أن النفقة الواجبة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها و هو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض و التطوع فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع و هذا قول الضحاك، ثم يقول القرطبي: و قيل هو عام و هو الصحيح لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا و ذلك لا يكون إلا من الحلال، و معنى الآية أنهم يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة و غيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ندبهم إليه.

و أنت ترى أنه يرجح الاحتمال الأخير و هو كونه عاما اعتمادا على سياق الآية و الغرض الذي لأجله سيقت و مثل هذا الترجيح كثير في كتابه.

موقف القرطبي من التفسير الرمزي.

يحاول بعض الناس أن يصرف ألفاظ القرﺁن الكريم من ظاهرها و ان يخرج بها عن مدلولاتها و ما تحتمله من معان ثم يختار معنى غريبا يدعي أن اللفظ لا يدل عليه بطريق الظاهر و لكن يدل عليه بطريق الرمز و الإشارة، و يسمى ذلك التفسير الرمزي أو الإشاري و اشترط العلماء لقبول التفسير الرمزي شرطين:

أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب بحيث يجري على المقاصد العربية.

و ثانيهما: أن يكون له شاهدا نصا أو ظاهرا في محل ﺁخر يشهد بصحته من غير معارض.

فالشرط الأول، و هو موافقة اللغة لابد منه ضرورة لأن القرﺁن عربي و كل تفسير لا تساعد عليه قواعد اللغة يجب رده و الحكم ببطلانه.

و الشرط الثاني، و هو شهادة الشرع لابد منه كذلك فلو لم يشهد لصحة هذا التفسير شاهد من الشرع أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي لا دليل عليها و الدعوى المجردة عن الدليل غير مقبولة باتفاق العلماء: ” انظر الموافقات للشاطبي “.

و قد استعمل هذا اللون من التفسير الباطنية فقالوا في قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) إن المراد بالبقرة عائشة، و قالوا في قوله تعالى ( مرج البحرين يلتقيان ) إن المراد بالبحرين علي و فاطمة و قالوا في قوله تعالى ( يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان ) إن المراد باللؤلؤ و المرجان الحسن و الحسين.

و التفسير الرمزي الذي استعمله الباطنية مرفوض من أساسه لا يقبله عقل و لا تساعد عليه اللغة و الشرع و المروجون له أكثرهم يهدف من ورائه إلى هدم الإسلام و تقويض أركانه بل تواصوا بذلك. ” انظر كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي “.

و موقف القرطبي من التفسير الرمزي الذي استعمله الباطنية الرفض.

ففي قوله تعالى ( و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا و لكن أكثر الناس لا يعلمون ) يهاجم القرطبي من يقول برجعة علي رضي الله عنه، ثم نقل إنكار ذلك عن ابن عباس فقال إن رجلا قال: يا ابن عباس إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث بعد الموت قبل الساعة و يتأولون هذه الآية فقال ابن عباس كذب أولئك. إن هذه الآية عامة للناس لو كان علي مبعوثا قبل القيامة ما نكحنا نساءه و لا قسمنا ميراثه.

أما الصوفية فقد استعملوا من التفسير اللون الإشاري إلا أنهم لم يهملوا ظاهر القرﺁن كما فعل الباطنية بل اعترفوا به و فهموا من ورائه فوق ذلك رموزا و إشارات قالوا إن الباطن يدل عليه. يقول الإمام الغزالي: إن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين و جهلوا جهلا بالموازنة بينهما فلم يفهموا وجهه كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية ” فالذي يجرد الظاهر حشوي و الذي يجرد الباطن باطني و الذي يجمع بينهما كامل و لذلك قال عليه الصلاة و السلام ” للقرﺁن ظاهر و باطن وحد و مطلع ” رواه ابن حبان.

و موقف القرطبي من التفسير الإشاري رفضه أحيانا و قبله أحيانا. في قوله تعالى: ( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر ) يقول القرطبي: قال بعض من يتعاط غامض المعاني هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر و الشارب منه بالمائل إليها و المستكثر منها – و التارك لشربه بالمنحرف عنها و الزاهد فيها و المغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة و أحوال الثلاث عند الله مختلفة.

و يعقب القرطبي على هذا الكلام بقوله: قلت ما أحسن هذا لولا نافيه من التحريف في التأويل و الخروج عن الظاهر و لكن معناه صحيح من غير هذا.

و أنت ترى انه يستحسن هذا التأويل من حيث سلامة المعنى و لكنه يرفضه من حيث كونه تفسيرا للآية لمخالفته مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب.

ومما يدل على قبوله في بعض الأحيان ما ذكره في قوله تعالى: ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) فقد قال تعالى ” فزادهم الله مرضا ” قيل هو دعاء عليهم. و يكون معنى الكلام زادهم الله شكا و نفاقا، و قيل هو إخبار من الله عن زيادة مرضهم أي ” فزادهم الله مرضا إلى مرضهم “.

ثم قال: و قال أرباب المعاني ” في قلوبهم مرض ” أي بسكونهم إلى الدنيا و حبهم لها و غفلتهم عن الآخرة.. و إعراضهم عنها.و قوله ” فزادهم الله مرضا ” أي وكلهم إلى أنفسهم و جمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى الاهتمام بالدين ” و لهم عذاب اليم ” مما يفنى عما يبقى، قال الجنيد: ” علل القلوب من إتباع الهوى كما أن علل الجوارح من مرض البدن “.

و أبرز مصادر القرطبي في هذا النوع من التفسير تفسير القرﺁن العظيم لأبي محمد بن عبد الله التستري نسبة إلى ” تستر ” بلد بالأهواز، و الذي توفي سنة 273 هجرية، و كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي المتوفى سنة 412 هجرية.


                                                              بقلم الشيخ أحمد إدريس عبده.