إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

الزوايا: الواقع و الأفاق

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و ﺁله و صحبه الذي أنزل القرﺁن على قلبه فكان قرﺁنا يمشي و الذي أسس أول بيت يذكر فيه الله، و هو المسجد، و تفرعت عن المسجد الزوايا و هي مكملة لدور المسجد من عبادة و تعليم و إيواء و إصلاح ذات البين و توجيه المريدين إلى الخير.

معالي السيد وزير الشؤون الدينية و الأوقاف، معالي وزير الثقافة و الاتصال، معالي ولاية أدرار، أيها الحضور الكريم من علماء و مشايخ زوايا، تحية نحملها لكم من طلبة القرﺁن الكريم من زاويتكم كما نشيد بحضور العلماء الأشقاء الذين زارونا من البلاد العربية و الإسلامية مصر و الأردن و سوريا و المغرب و السنغال و موريتانيا و اليمن فبحضور هؤلاء الفضلاء تلتحم الأرواح و تتعانق القلوب من خلال ملتقى القرﺁن الكريم الذي كان تحت الرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أطال الله في عمره لخدمة أمة الإسلام و العروبة.

أولا – واقع الزوايا :

إن الواقع الذي عاشته الزوايا في تاريخها الطويل و الذي تمر به حاليا يفرض علينا إعطاء تصور صحيح نحو حقيقتها ووظيفتها و سبب نشأتها، و سنحاول هنا أن نعطي التصور الذي نراه عن حقيقة الزوايا و عن وظيفتها التي وكلت له و إعادة الدور الحقيقي الفعال لها كإشعاع من إشعاعات النهضة و مركز من مراكز الحضارة و مكسب من مكاسب الأمة، إن الزاوية في حقيقتها الأولى فرع للمسجد باعتبار المسجد المؤسسة الوحيدة التي بناها الرسول صلى الله عليه و سلم فقد تشعب عن المسجد دور العلم و المكتبات ومراكز الثقافة ومراكز التربية الروحية، و قد حاولت الزوايا أن تلم بأشتات تلك الوظائف و ذلك لأن ملابسات و شبهات كثيرة اعترت ذلك التصور، و بسببه همش دورها أو صور تصويرا سلبيا، ساعد عليه ظروف كثيرة تختلف من زاوية لأخرى، و سنحاول هنا أن نعطي التصور الذي نراه عن حقيقة الزوايا، و عن الوظيفة الحقيقية التي وكلت لها و عن ما أصاب تك الوظيفة و حاد بها عن المنهج الصحيح، و عن طريق التقويم الذي نراه لسد الثغرات و تصليح الفساد و إعادة الدور الحقيقي الفعال لها كإشعاع من إشعاعات النهضة و مركز من مراكز الحضارة و مكسب من مكاسب الأمة.

إن الزاوية في حقيقتها الأولى فرع تخصصي للمسجد باعتباره المؤسسة الوحيدة التي بناها الرسول صلى الله عليه و سلم ، فقد تشعب عن المسجد دور العلم و المكتبات و مراكز الثقافة و مراكز التربية الروحية، و قد حاولت الزوايا أن تلم بأشتات تلك الوظائف جميعا لتخرج الفرد المسلم المتكامل في صفاته المتوازن في أخلاقه المؤثر في مجتمعه، لذلك جمعت بين التربية الروحية العالية على نهج السلف الصالح أو بما سمي بعد ذلك بالتصوف، و بين العلم الشرعي الخالي من الأهواء و الانحرافات العقدية و السلوكية، و كان لها زيادة على ذلك تأثيرها التربوي الاجتماعي بما كانت تنشره من مثل عالية و قيم رفيعة.

وهذه الحقيقة، أي اعتبار الزوايا فروعا للمساجد تكمل وظيفتها و تمدها بالقائمين عليها، يجعل منها مؤسسات لا توجهات، و فرق كبيرة بين المؤسسة و التوجه، فكونها مؤسسة يجعل منها محلا واعيا يستقطب كل صالح مادام متفرعا من التيار العام للأمة، أما جعلها اتجاها معينا فهو يقزم دورها و يجعلها مجرد انتماء كسائر الانتماءات الحزبية و المذهبية، و لذلك فالنظرة الموضوعية للزوايا تجعل منها ملكا للأمة جميعا تخدم مصالحها و تقوم سلوكها و تنشر قيم الوحدة بينها، فتستفيد منها كل تيارات الأمة – بغض النظر عن توجهاتهم أو انتماءاتهم لأن الانتماءات شؤون وقتية و دور الزوايا لا ينحصر بزمن معين أو حدود معينة.

و لذلك فإن التصور الصحيح للزوايا هو اعتبارها مؤسسة من مؤسسات الأمة و فرع من شخصيتها و هويتها و مكسب من مكاسب تاريخها، لذلك تجنب كل النزاعات التوجيهية أو الانتماءات مهما كان نوعها.

و لكن التصور الخاطئ الذي نزع من الزوايا الكثير من وظائها الاجتماعية و العلمية و التربوية وألب الحاقدين عليها هو النظر إليها كاتجاهات معينة محدودة تمثل طوائف بعينها، مع أنها في جميع فترات التاريخ كانت تمثل السواد الأعظم للأمة، و لهذا بقيت الزوايا في الوقت الذي زالت فيه الكثير من الفرق و الطوائف و الجمعيات و الأحزاب.

و مما سبب هذه النظرة مواقف بعض رجال الزوايا أنفسهم و خلفائهم، و لذلك من الضروري عند دراسة واقع الزوايا أن نتعرف على نوعية الرجال القائمين عليها و الذين يمكن تصنيفهم إلى الأصناف التالية:

–         الصادقون المخلصون: و هم الذين ورثوا الزوايا عن سلفهم الصالح فكونوا خير خلف لخير سلف، و هؤلاء منهم من نهضوا بزواياهم بما لديهم من إمكانيات، و منهم من قصرت بهم نفقتهم فلم يستطيعوا أن يستمروا في ضوء الظروف الحالية أن يعيدوا لزواياهم نشاطها.

–         غير المهتمين و اللامباليين: و هم الطين ورثوا زوايا عن سلفهم، و لكنهم نشئوا نشأة مختلفة فهجرت زواياهم و نسيت و ربما عراها الخراب، و من هذا الصنف الكثير من الزوايا الجزائرية التي لم يبق منها إلا الأطلال و الشواهد.

–         المغرضين و أصحاب المصالح: و هؤلاء الذين استغلوا حسن نوايا الناس و ثقتهم فحولوا من الزوايا مراكز تخدم مصالحهم و لو بإشاعة الشعوذة و نشر الخرافة، و قد كان لوجود هذا التيار السبب الأكبر في النظرة الخاطئة و غير الموضوعية للزوايا.

أما الزوايا نفسها قيمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام:

  • زوايا كبرى: بتاريخها و بنيانها وﺁثارها، و هذه تمثل جزءا مهما من التاريخ الثقافي و الاجتماعي و العمراني الجزائري لا يستغنى عنه و التفريط فيه تفريط في أحد المقومات التي تقوم عليها الحضارة في هذا البلد، و تقوم عادة بكل الوظائف الأساسية للزاوية من تعليم للقرﺁن الكريم و العلوم الشرعية زيادة على تردد أصحاب الطرق المختلفة إليها، و هي تعتمد عادة على النظام الداخلي للطلبة بما يتطلبه ذلك النظام من مصاريف و تنظيمات.
  • زوايا صغرى مختصة بتحفيظ القرﺁن الكريم:على شكل كتاتيب او مختصة بالطرق الصوفية، و هذه الزوايا عادة تنشر في القرى أو المدن و تلقى الدعم من القائمين عليها من أصحاب الطرق أو من أهل طلبتها المجاورين عادة للزاوية.
  • زوايا لا علاقة لها بالقرﺁن و العلوم الشرعية أو الطرق الصوفية:و إنماهي إرث ورثهأصحابها من سلفهم ووجهوه في أحيانكثيرة وجهات غير شرعية.

انطلاقا من هذا الواقع كانت المواقف مختلفة من الزوايا منها المقصرة و منها المغالية و منها المعتدلة :

أما المقصرة فهي التي حكمت الزوايا جميعا بالانحراف، و قامت بشن حرب عليها تتهم الزوايا وأهلها و المترددين عليها بكل انحراف.

أما المغالية فهي التي وضعت الزوايا جميعا في كفة واحدة العامل فيها و المقصر و المصلح و المفسد.

أما النظرة المعتدلة فهي النظر للزوايا بحسب قدراتها ووظائفها و تصنيفها بحسب ذلك.

ثانيا – الأفاق:

و انطلاقا من هذا فإنا نستشرف من الزوايا أدوارا كبرى يمكنها القيام بها لتقويم الواقع الجزائري و المساهمة في بعث نهضته، و لعل أهم هذه الأدوار باختصار:

– الحفاظ على التعليم القرﺁني الجاد، و الذي أثبتت الزوايا بخبرتها الطويلة على قدرتها على المحافظة على تحفيظه بطرقها القديمة الناجعة و التي لم تستطع الطرق الحديثة مزاحمتها في ذلك.

– التعليم الشرعي وفق المذاهب الفقهية و العقدية التي تكون جزءا أصيلا من هوية الشعب الجزائري، وبالطرق التقليدية التي تخرج عليها العلماء الفطاحل، و الزوايا لا تعارض استعمال الوسائل الحديثة، بل تدعو لاستخدامها و الاستفادة منها و تقويم كل موروث يحتاج إلى تقويم.

– تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تسربت إلى الأمة في ظل التهميش الذي عانت منه الزوايا و حال بينها و بين حماية المجتمع من تسرب الأفكار الهدامة و المتطرفة التي عانت منها بلادنا الكثير.

– المساهمة في الحفاظ على الوحدة الاجتماعية للأمة بإقامة الصلح بين الناس و الدعوة إلى التآلف و التكافل و التواصل.

– إحياء التاريخ الثقافي الجزائري و التواصل معه، لأن الثقافة المعاصرة التي يتلقاها الجزائري تضع بينه و بين أصوله سدودا كثيرة تصور له جذوره تصويرا خاطئا يعتبر معظم فتراته التاريخية فترات خمود و انحطاط و تقصر النهضة على فترة زمنية محدودة.

– إعادة الحياة الروحية بما تحمله من معان سامية لقلوب و نفوس الجزائريين في ظل الموجة المادية العاتية التي ملكت تصورات الناس، فجعلتهم يقصرون الحياة على تأمين مرافق العيش فقط.

و انطلاقا من هذه الأفاق، فغن الاقتراحات التي نضعها لإصلاح الزوايا هو التعامل العلمي الموضوعي معها، لا التعامل الارتجالي العفوي الذي قد يضع الأمور في غير مواضعها فيقصي ما ينبغي الاهتمام به و يدني ما لا يحتاج إلى رعاية و جهد، و لذلك فإن المراتب التي نراها لأفاق حسنة للزوايا تواكب العصر و تخدم مصالح الأمة وتكون في مستوى الأمانة التي تتحمل عباها هذه الزوايا يمثل فيما يلي:

–         القيام بدراسات علمية من لجان مختصة تزود بالإمكانيات الكافية لإحصاء الزوايا و التأريخ لها و لجهودها العلمية و ﺁثارها الإصلاحية، ووضع جرد لذلك على شكل كتب موثقة توضع كمراجع بين أيدي الباحثين لتصحيح المفاهيم و التصورات الخاطئة عن الزوايا و الناتجة في معظم الأحيان عن التقزيم المفرط لدورها و تاريخها، و من العجيب أن نهتم بتاريخنا السياسي بينما نهمل تاريخنا الثقافي و الاجتماعي الذي تؤسس عليه طبيعة و نفسية المجتمع الجزائري، و تاريخنا الثقافي و الاجتماعي يرجع بالدرجة الأولى إلى الزوايا التي كانت أوساطا تأثيرية في الواقع الجزائري قرونا طويلة.

–         دراسة دور الزوايا دراسة علمية على ضوء الاحتياجات العصرية للنظر في قيمتها التأثيرية من النواحي الاجتماعية و العلمية و الثقافية، ثم إمدادها بالعون على أساس ذلك، و من المثير للانتباه أن تحظى الكثير من دور الثقافة بالاهتمام و بميزانية خاصة في الوقت الذي تهمش فيه الزوايا و لا تمد بأي عون مادي أو معنوي، مع أن الخدمات التي تقدمها الزوايا للمجتمع الجزائري – و خاصة الحفاظ على القرﺁن الكريم – لا يوازيها في أدائه أي مركز.

–         أن تكون تلك الإمدادات المادية منتظمة و مقننة على ضوء حاجة كل زاوية و على ضوء عدد طلبتها و حاجاتها المادية لا مجرد تطوع تتأثر بنوعية المسئولين و بمدى علاقتهم بالزوايا سلبا أو إيجابا.

–         تأمين الضروريات الأساسية للطلبة من مأكل و مشرب و تدفئة ووسائل تعلم وحوافز تنشط هممهم للدراسة الجادة المتكاملة التي تخرج الفرد المتعلم و المثقف بكل ما يمكنه من خدمة مجتمعه و المتحصن من كل التيارات المنحرفة بل القادر على مواجهتها و مواجهة الغلو و التطرف بكل مظاهره.

–         إعادة الاعتبار لرجال الزوايا الذين خدموا القرﺁن الكريم أو العلم أو كان لهم دور و تأثير اجتماعي، و ذلك باعتبارهم من الشخصيات ذات القيمة المعنوية في المجتمع فتسمى علة أسمائهم المراكز الثقافية أو المدارس أو الشوارع و الأحياء، فإن دورهم لا يقل عن دور من خدم هذا البلد و مع ذلك يكاد ينسى الكثير منهم و لا يعرف العامة عنهم إلا حكايات يتداو لونها يوشك أن يغمرها النسيان، و مع كون هذه الأمور قد تبدو شكلية أو غير ذات قيمة إلا أن الدراسات تثبت مدى فاعلية مثل هذه الأمور في التنبيه إلى الأصالة و العودة إلى الذات، و المحافظة على الهوية.

الشيخ عبد المجيد الحملاوي