إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

الزوايا و العلم

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد الذي أنزل القرﺁن على قلبه فكان خلقه القرﺁن أو كما قيل عنه صلى الله عليه و سلم كان قرﺁنا يمشي و المخاطب من قبل [ طه ما أنزلنا عليك القرﺁن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ]، و قال تبارك و تعالى [الرحمن علم القرﺁن خلق الإنسان علمه البيان ].

أيها الحضور الكريم أيها الأساتذة أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته..       نحمدك اللهم فاتح كنوز الغيب بالصفوة من عبادك مانح فيض علمك للخلاصة من خلقك، فاستودعت قلوبهم خفي سرك، فإن نطقوا فهم تراجمه لوحيك، و إن عبروا فهم ألسنتك تخبر بمرادك، و إن فاهوا فإنما يفصحون عن بديع حكمك بما توجتهم من العلم و العرفان لمعجم القرﺁن الكريم، و حلهم لرموز القرﺁن، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [ و من يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا و متا يذكر إلا أولوا الألباب ].

هؤلاء الذين أنشئوا المدارس القرﺁنية و الزوايا، و منا الزوايا إلا مدارس قرﺁنية و معاهد إسلامية منذ القرن الأول للهجرة، و قد قيل أن أول من أنشأ المدرسة القرﺁنية الخليفة الخامس سيدنا عمر ابن عبد العزيز و أضيف إلى هذه المدارس التي أصبحت تسمى بالزوايا التربية الروحية و هو التصوف و هذا المصطلح الصوفي ظهر كما ظهرت المذاهب الأربعة بعد إن استقطب الإسلام أجناسا مختلفة الألوان و الألسنة و الأعراق فظهور المذاهب كان محافظة على العقيدة ألا تتسرب إلى الإسلام بعض الأفكار الوثنية، فرجال المذاهب الفقهية قيدوا المفاهيم الصحيحة لأصول الدين من القرﺁن و السنة كما ظهر في هذا السياق أيضا رجال التصوف و هم الذين اتجهوا إلى العبودية المحضة.

أما مصطلح الأسماء فظهر في عهد النبي صلى الله عليه و سلم و هم” الصحابة ” و بعدهم التابعين و بعدهم تابعي التابعين كذلك المصطلح الصوفي، و التصوف هو عبارة عن التعمق في توحيد الله تبارك و تعالى بحيث يطبق على نفسه من سلك هذا السلوك أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.

فرجال الزوايا اتخذوا من هذا الحديث منهجا للتربية الروحية و توجيه العامة و الخاصة لتذوق هذا المقام و هو مقام العبودية المحضة الخالصة لوجه الله تبارك و تعالى، ووضعوا لمن أتراد هذا السلوك أورادا و أذكارا من لب القرﺁن الكريم، و لا يكون ذكرا إلا إذا كان من القرﺁن الكريم [ و ذكر بالقرﺁن من يخاف وعيدي ].

فمن هنا نستخلص أن الزوايا دورها الأساسي هو تحفيظ القرﺁن الكريم الحفظ الجيد و لو أن الطالب يمكث بها أربع سنوات لأن الزاوية لا تحدد زمنا معينا لتحفيظ القرﺁن، و ذلك لإعطاء أكبر فرصة للطالب لاستظهار القرﺁن الكريم، ثم تأتي العلوم الشرعية و نذكر على سبيل المثال المواد التي كانت تدرسها الزوايا:

-         التوحيد: جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني و حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري عليها، أو العقيدة الصغرى المسماة بأم البراهين لمؤلفها أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي و حاشية الشيخ محمد عرفة الدسوقي.

-         الفقه على المذهب المالكي على الكتب الاتية: متن ابن عاشر المسمى المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لمؤلفه عبد الواحد ابن عاشر الأنصاري الأندلسي الفاسي و بشرح مختصر الدر الثمين المورد المعين للشيخ محمد ابن أحمد المالكي الشهير بالمنارة الصغرى و هو الشرح الصغير على النظم المسمى بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين، و بشرح الشيخ محمد ابن أحمد الميارة المالكي المسمى الميارة الكبرى.

–         متن مختصر العلامة خليل ابن إسحاق المالكي في مذهب الإمام مالك و من شراحه أبو عبد الله محمد الخرشي المحتوى على خمسة أجزاء أو الشيخ أحمد الدر دير ألعدوي المشتمل على أربعة أجزاء.

-         علم الفرائض [ المواريث ]: متن الرجبية لناظمها الشيخ محمد ابن علي ابن الحسين الرحاب بحاشية الشيخ إبراهيم الباجوري على شرح الشيخ عبد الله الشم شوري الشافعي و ربما من بعض شرح الآخرين، إنما المتن المتداول على ألسنة الشيوخ المدرسين هو متن الرحبية.

-         علم المنطق: متن السلم في فن المنطق للإمام الخضري بحاشية الشيخ إبراهيم الباجوري و بهامشها تقرير الشيخ محمد الألباني.

-         قواعد اللغة العربية( النحو ): متن الاجرومية لابن ﺁجروم الصنهاجي أبو عبد الله محمد ابن محمد بشرح الشيخ حسن الكفراوي و بهامشه حاشية الشيخ إسماعيل ابن موسى الحامدي المالكي، متن القطر للعلامة ابن هشام الأنصاري.

-         علم البلاغة: متن السمرقندية بحاشية الشيخ إبراهيم البيجوري و بهامشها تقرير الشيخ أحمد الأجهوري.

هذه الكتب المطولة كانت مادة أساسية تدرس في جميع الزوايا العلمية، و أذكر أن أول خلاف وقع بين الإصلاحيين و مشايخ الزوايا هو أن الإصلاحيين أرادوا اختصار هذه الكتب فأبي عليهم مشايخ الزوايا و نعتبر هذا من اجتهادات العلماء و هو خلاف رحمة.

و نرجع دائما إلى دور الزوايا القرﺁنية في مجال الدعوة و التربية، فنجد أن الزوايا قامت بدور نشر العلم من منطلق تحفيظ القرﺁن الكريم الذي هو عين العلم منذ نشأتها ظغلى اليوم، و إذا انحرف بعض رجال الزوايا عن هذا الخط فذلك راجع إلى سلوك شخصي و لا يمس ذلك مبدأ الزاوية لا من قريب و لا من بعيد.

فالزوايا خاصة في بلادنا الجزائر تعتبر هي المعاهد الإسلامية منذ عهد الازدهار العلمي ببجاية و قبله أيضا، حيث كان مشايخ الصوفية هم الذين يتربعون على كرسي التدريس و نذكر من هؤلاء المشايخ: الشيخ سيدي شعيب أبو مدين الأندلسي الأنصاري دفين تلمسان في القرن السادس الهجري و الشيخ المشهور سيدي الصوفي الذي لا يزال مسجده قائما إلى اليوم و ضريحه هناك بالمسجد المسمى عليه ببجاية، و من المشايخ الصوفية ابن سبعين الذي درس في بجاية قبل رحيله إلى مصر حيث توفي هناك و اشتهر طريقته بالسبعينية في مصر.

و كذلك الشيخ سيدي عبد الرحمان الوغليسي صاحب متن الوغليسية الجامعة للأحكام الفقهية على مذهب السادة المالكية و هو شيح صوفي عالم صاحب زاوية ببجاية في القرن الثامن الهجري.

و من الرجال العظماء الذين أنجبتهم الزوايا البطل الفذ و العالم العامل و المجاهد و المهاجر في سبيل الله الأمير و الشيخ عبد القادر ابن محي الدين الجزائري مولدا الحسني نسبا و القادري طريقة.

و من أعلام رجال التصوف في العصر الحديث الشيخ سيدي محمد بالقائد الحسني نسبا و التلمساني مولدا و شيخ الطريقة الهبرية البلقائدية و الذي أخذ عليه علم التصوف المفسر الكبير و حجة عصره صاحب الفياضات الربانية الشيخ سيدي ” محمد متولي الشعراوي” و الذي قال في شيخه محمد بالقائد ما يلي:

طوفت في شرق البلاد و غربها *** و بحثت جهدي عن إمام رائد

شفي به ظمأ لغيب حقيقة *** و أهيم منه في جلال مشاهد

فهداني الوهاب جل جلاله   *** حتى وجدت بتلمسان مقاصد

و اليوم ﺁخذ نورها عن شيخنا   *** محي الطريق محمد بالقائد

و إذا الأبصار أينعت ثمراتها   *** نالت بها الأبصار كل شوارد

لا تلقي بالا للعذول فإنه   ***   لا رأي قط لفاقد في واجد

لو ذاق كان أحر منك صبابة *** لكنه الحرمان لج بجاحد

يا رب خذ الهبارى كلهم   *** و أعذهم من شر كل حاسد

و اجعل صلاتك و السلام مباركا *** قرب محمدك الحبيب الخالد

هكذا يتبين لنا أن الزوايا معاهد إسلامية في الجزائر و أنها مراكز إشعاع ميادين شتى في جمع كلمة الأمة و في التصدي للاحتلال الأجنبي و للمحافظة على مقومات الأمة و انتمائها الأصيل للمجد الذي منحه الله لهذه الأمة بقوله القديم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و هو [ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر] و بقوله أيضا تبارك و تعالى استكمالا لهذا الشرف التلبد: [ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ].

فإذا كان بتونس جامع الزيتونة جامعة إسلامية قديمة منذ القرن الثالث الهجري و بالمغرب الأقصى جامعة القرويين و بمصر جامع الأزهر الشريف فماذا كان في الجزائر غير الزوايا؟

يجب علينا أن نحافظ على هذا الرصيد و التراث العلمي و الحضاري الذي لا يعوض بأي بديل مهما تفنن المبدعون في الألقاب العلمية الحديثة التي لم تصل بعد إلى ذروة القيم العليا و الأخلاق الروحية السامية التي من أجلها تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات قال تبارك و تعالى [ و لقد كرمنا بني ﺁدم] و هذا التكريم يتمثل في العقل و يتمثل في التكليف أي أن الإنسان حمله الله تبارك و تعالى الأمانة العظمى إذ قال تبارك و تعالى [ إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ] و قال تبارك و تعالى: [ و أقم الصلاة لذكري ].

و هذا التكليف في حقيقته تشريف و التشريف هو عين الإكرام، و لا يسعنا إلا أن نحمد الله حمدا كثيرا يليق بعظمة جلاله و نحافظ على التراث العلمي و الحضاري للزوايا و نثريه بكل الوسائل التي تضمن له الاستمرارية للمحافظة عل العقيدة الإسلامية الصافية الراسخة النابعة من لب القرﺁن الكريم، و إذا استوجب علينا أن ندخل العصرنة لإثراء هذه الزوايا و المعاهد فالعصرنة يجب ألا تتعدى حدود الوسائل المادية، أما العقائدية فكما قال الله تعالى: [ فلن تجد لسنة الله تبديلا ] و لن نكون كالذين قال الله فيهم: [ الذين يحرفون الكم عن مواضعه ].

أما دور الزوايا في الدعوة فنذكر منها: الزاوية التيجانية التي بلغت الدعوة الإسلامية أو عن طريقها انتشر الإسلام في إفريقيا في شمالها و جنوبها حتى إلى قارة ﺁسيا.

الزاوية السنوسية التي انتشرت في إفريقيا و في المغرب و المشرق حتى وصلت تركيا التي هي همزة وصل بين أوروبا و ﺁسيا لمؤسسها الشيخ سيدي محمد بن علي السنوسي الخطابي المستغانمي الجزائري الشريف الحسن، ولد في 12ربيع الأول 1202.

الطريقة الرحمانية لمؤسسها العالم الكبير سيدي محمد بن عبد الرحمان خريج الأزهر الشريف الجرجري الجزائري و التي تفرعت على يده الزوايا العلمية بالقبائل الكبرى و الصغرى و بالصحراء الشرقية و بتونس و السودان و منها تفرعت الزاوية الحملاوية و التي لا تزال تحافظ على منهجها الذي رسمت من أجله و هي أن تكون قلعة من قلع القرﺁن الكريم و المحافظة على العقيدة الراسخة المتمثلة و النابعة من أخلاق الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم أخلاقا و سلوكا و حالا.

 

الشيخ عبد المجيد الحملاوي