إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

التحذير من كتيب خطير

الحمد لله حمدا يوافي و يكافئ مزيده، و الحمد لله ينبغي لجلال وجهه و عظيم سلطانه، و الحمد لله بجميع المحامد كلها و الصلاة و السلام على سيدنا ة نبينا و مولانا محمد و على ﺁله الطيبين و أصحابه الطاهرين . أما بعد.

فمنذ سنوات عديدة اطلعت على رسالة للمدعو محمد أحمد عبد السلام بعنوان [ حكم القراءة لأموات هل يصل ثوابها إليهم؟ و الأدلة على ذلك من القرﺁن و السنة و التفاسير و المذاهب مع بيان طائفة من بدع الجنائز و منكرات المأتم ] راجعها و حقق أحاديثها فئة من الجامعيين و قدم لهذه الطبعة و علق عليها عبد العزيز بن عبد الله الجهني و راجعها و حقق أحاديثها لطبعة أخرى محمود مهدي الاستانبولي و لا زالت هذه الرسالة تطبع و تنشر من حين لآخر و مازال الشباب من أهل وطننا يقتنونها و يقرؤون باطلها و يتعلقون بأكاذيبها و ينخدعون بهرج أدلتها، لا لشيء إلا لأن صاحب الرسالة خدعهم بزعمه أنه من علماء مصر و بإيهامه أن ما نقله عن المذاهب الأربعة من ذم القراءة على الميت حق و ما نقله عن بعض المحدثين صدق و ليس الأمر كذلك أن هذا الرجل المزعوم من علماء مصر كذب فلم يحسن الكذب و خدع الشباب الأغرار لأن المنقول عنهم من أئمة الدين هم على هواه، و في ظني أن المنخدعين به إذا علموا انه كذب عليهم و خدعهم و أنه نقل لهم من كلام أئمتنا نقولا مبتورة لأنه لم يشأ أن ينقلها كاملة إذ لو فعل ذلك لافتضح أمره و بان سره و صار كلام الأئمة عليه لا له.

هذا و غني كنت قبل ظهور هذه الرسالة و بعده قد راجعت كثيرا من المصادر التي نقل عنها فتبين كذبه في النقل ة تدليسه في العرض و علقت على مواضع كثيرة في رسالته و بقي الأمر على تلك الحال لا صاحب الرسالة استحيا فامتنع من طبعها المرة تلو المرة و لا أنا تشجعت لنشر تعليقاتي الفاضحة لأمره و المهتكة لستره.

مقدمة الرسالة

مقدمة الطبعة الرابعة لهذه الرسالة و هي للمسمى عبد العزيز بن عبد الله الجهني، جاء كلام هذا نصه: [ فتقرأ هذه الرسالة كمثال على ذلك لكيفية بدء الانحرافات في المسلمين عن جادة الإسلام و قس على ذلك جميع نواحي حياتنا من حيث السياسة أو الثقافة أو الاقتصاد …الخ.

و لا أعني بقولي [ انحرافات ] أن من قال بجواز القراءة للأموات أو فعل ذلك مجتهدا انه منحرف فإن أقل أحواله أن يكون مجتهدا مخطئا، و نحن كذلك مجتهدون بحسب ما توصلنا إليه من الأدلة أن قراءة القرﺁن لا يصل ثوابها إلى الأموات لأنها ليست من كسبهم و لم يرد نص بانتفاعهم بذلك و هي من الأمور التعبدية التي لا يجري فيها القياس و لم يؤثر عن أحد من الصحابة رضي اله عنهم أنه فعل ذلك و لو كان خيرا لسبقونا إليه ].

فانظر إليه كيف اعتبر المسألة اجتهادية و اعترف باختياره بأن من قال بجواز القراءة للأموات أو فعل ذلك مجتهدا لا يعني أنه منحرف و أن أقل أحواله أن يكون مجتهدا مخطئا و اعترف بأنه و من على شاكلته ممن يقول بأن قراءة القرﺁن لا يصل ثوابها إلى الأموات مجتهدون، فلو وقف عند هذا الحد هو و صاحب الرسالة و اعترفا بأن المسألة اجتهادية فيها خلاف بين العلماء لاختلاف الأدلة المتجاذبة و اعترفا بأنهما يرجحان مذهب المنع لأنه رأي فلان و قول علان أو لكيت و كيت من الأدلة كالتي ألمع إليها في هذه المقدمة و لم يعتبرا رأي المجوزين انحرافا و بدعة و ضلالة و لم يقدحا في عامة المسلمين لأنهم على خلاف رأيهما و رأي شرذمتهما لكانا قد أصابا و أفلحا.

أما و أنهما يصران على الخلاف و يجهران بالتضليل و التبديع و يتبجحان بأنهما و شرذمتهما على صواب و الناس على خطأ فإن الواجب يقتضي كشف تلبيسهم و تبيين كذبهم و فضح دعا ويهم و أول ما أبدأ به إظهار التناقض الصارخ بين هذا المعلق صاحب التقديم و قول المحققين بعد ذلك، و هم على ما جاء على غلاف الرسالة في هذه الطبعة فئة من الجامعيين و أعني بذلك قولهم: [ و في الصفحات التالية بحث هام في سد باب دجل الدجالين و شعوذة قراء القبور و الموتى ببطء افتراءاتهم الكاذبة و ادعاءاتهم الباطلة و يأتي بالأدلة الصحيحة على كذب … ليأكلوا أموال الناس بالباطل و يحطوا من قدر هذا القرﺁن العظيم ].

فأنت ترى أخي القارئ كيف تغيرت لغة الخطاب.

فالمعلق المقدم يقول: المسألة اجتهادية، و المحققون الجامعيون يقولون: المسألة سفه و زور.

و الأعجب من ذلك أن المقدم بعد ما اعترف بأن المسألة اجتهادية و ألمع كما قلت إلى أدلة المانعين كنص على عقبه و ندم على قوله السابق فقال: [ فكل ما هنالك أن بعض السلف كابن القيم رحمه الله و بعض الفقهاء قالوا بوصول ثواب القراءة على غيرهم مما يصل ثوابه كالدعاء و الصدقة ] وليقنعنا بذلك و بأن المجيزين لا دليل لهم يزيد فيقول: [ و قد سألت شيخنا عبد العزيز بن باز عما إذا وجد في هذا الموضوع ما يستأنس به فأجاب بالنفي و أنه ليس لذلك أصل ] يعني إهداء ثواب قراءة القرﺁن للأموات، فاعتبر هذا المغرور كلام شيخه حجة دامغة و كأنه قرﺁن كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه، بل ظني فيه أن شيخه حذام التي قال فيها القائل:

إذا قالت حذام فصدقوها             فإن القول ما قالت حذام

و ليزيد قول شيخه تدعيما أو هو من قول شيخه نفسه عقب فقال: [ و هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وعده من البدع، و له قول ﺁخر في المسألة ].

و كأني به يرى نفسه أنه قد أجهز على المجوزين بحكاية مذهب شيخ إسلامه مع أنه كاذب عليه صادق فيما يدعيه من رأيه و لي على كلام صاحب المقدمة هذا ملاحظات أذكرها باختصار تنبيها للقارئ على خطئه و خلطه و سوف أفصل القول فيها تفصيلا عند أجله، منه قوله و هو بصدد استعراض أدلة المانعين من وصول ثواب قراءة القرﺁن إلى الأموات:

–         لأنها ليست من كسبهم، و أقول هذا رأي المعتزلة و طائفة من المبتدعة اعتمادا منهم علة قوله تعالى: [ و أن ليس للإنسان إلا لما سعى ]، بينما رأي أهل السنة هو انتفاعه بما ليس من كسبه إذا جعل له و أهدي إليه على تفريق عند بعضهم بين ما يقبل النيابة و بين ما لا يقبلها، و رأيهم في الآية مختلف بين من يقول بنسخها و من يؤولها و من يحملها على العموم القابل للتخصيص كالشوكاني.

–         [ و لم يرد نص بانتفاعهم بذلك ] أقول: وردت نصوص كثيرة جدا منها أحاديث صحيحة و منها أحاديث حسنة و منها أحاديث ضعيفة و حتى على القول بضعف أو تصحيح ما صحح منها بالمعروف عند أئمة الحديث أن الأحاديث الضعيفة إذا كثرت و كانت بمعنى واحد عضد بعضها بعضا فقامت بها الحجة فكيف إذا كان منها من صححه بعض الأئمة المعتبرين كحديث [ اقرءوا على موتاكم يس ] و حديث وصية ابن عمر بقراءة فاتحة البقرة و خاتمتها على قبره [ انظر: تحفة الذاكرين للشوكاني، ص 365، 373،ط1،دار الجيل، بتحقيق: سعيد محمد عقيل ].

–         [ و هي من الأمور الغيبية التي لا تجري فيها القياس ] أقول كما قال الإمام القرافي: [ و القراءة للميت و إن حصل الخلاف فيها لا ينبغي إهمالها فلعل الحق في الوصول. فإن هذه الأمور مغيبة عنا و ليس الخلاف في حكم شرعي هي في أمر هل يقع كذلك، و كذا عادة التهليل اليوم، و يعتمد في ذلك على قول الله تعالى ].

–         و أما إنكار القياس في المسألة بدعوى بأنها تعبدية فأقول كما قال الحافظ الغماري في الرد المحكم المتين: [ و إن كنت تريد أن تنفي القياس في العبادات و العقائد دون غيرهما فهذا مذهب طريف تستحق عليه الإعجاب و التقدير إذ لم يسبقك إليه سابق و لا يوافقك عليه لاحق ة نصيحتنا إليك نصيحة مشفق عليك أن تقرأ كتب الأصول الكبيرة و كتب النظر بإرشاد شيخ في هذا الفن خريت ماهر حتى تتقن قراءتها و تجيد فهمها. حينئذ يحسن القول منك في قبول القياس شيئا و بالله التوفيق ].

–         [ و لم يؤثر عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه فعل ذلك، و لو كان خيرا لسبقونا إليه ] أقول: هذا مكرر مع قوله سابقا [ و لم يرد نص بانتفاعهم بذلك ] لأن النص ورد و لأنهم رضي الله عنهم سبقونا بذلك.

–         [ فكل ما هنالك أن بعض السلف كابن القيم رحمه الله ] و هنا لا أستطيع أن أمتنع من التصريح بجهل هذا الزاعم بأنه يجعل ابن القيم و هو تلميذ ابن تيمية من السلف و هو من أهل القرن الثامن بينما السلف الذين يقصدون إذا أطلق هذا اللفظ في عرف العلماء هم أهل القرون الثلاثة الأولى من الصحابة و تابعي التابعين رضي الله عنهم و أين ابن القيم منهم، نعم هو من سلف من ينتمي إليهم هذا الزاعم، غير أنه رحمه الله بريء منهم و هم براء منه لأن ابن القيم كتب كتاب الروح و عقد فيه عقدا طويلا ممتعا في إثبات انتفاع الميت بقراءة القرﺁن بأدلة ساطعة و براهين لامعة القياس الذي ينكره هذا الزاعم [ انظر: المسألة 16 من كتاب الروح لابن القيم ].

–         [ فأجاب بالنفي و أنه ليس له … ] ينفي شيخه من العلم و يصفه بالجرأة علة إنكار الشمس في طالعة النهار لأنه لم يقل أنه ليس لذلك أصل صحيح إنما قال: ليس له أصل يستأنس به، و هذا منتهى البهتان و الترخص و الزيغ و إلا فالأصول كثيرة منها السنة و الإجماع و القياس، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.

–         [ و هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية] و هذا محض كذب على ابن تيمية لأنه صرح في غير موضع في مجموع الفتاوى بالجواز بعد حكاية مذاهب الأئمة و نقل عنه ذلك تلميذه الوفي المخلص العلامة ابن القيم فعلى سبيل المثال أنقل هنا قوله بمجموع الفتاوى من المجلد الرابع و العشرين، قسم الفقه ص 366، و هو [ و تنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم و الصلاة و القراءة و الصواب أن الجميع يصل إليه ] و في ص 323 من نفس المجلد و الجزء سئل عمن هلل سبعين ألف مرة و أهداه للميت يكون براءة للميت من النار حديث صحيح أم لا؟ و إذا هلل الإنسان و أهداه للميت هل يصل إليه ثوابه أم لا؟

فأجاب: إذا هلل الإنسان هكذا سبعون ألفا أو أقل أو أكثر أهديت إليه نفعه الله بذلك و ليس هذا حديثا صحيحا و لا ضعيفا.

و في ص 324 منه: [ و سئل عن قراءة أهل الميت تصل إليه؟ و التسبيح و التهليل و التحميد و التكبير إذا أهدوه للميت يصل إليه ثوابها أم لا؟ فأجاب يصل الميت قراءة أهله و تسبيحهم و تكبيرهم و سائر ذكرهم لله تعالى إذا أهدوه للميت و صل إليه و الله أعلم.

و الخلاصة أن صاحب الرسالة و مقدميها و المعلقين عليها تبنوا فكرة خاطئة و عقيدة باطلة و راحوا يدفعون بذلك في وجه كل دليل يبطل فكرتهم و يدحض عقيدتهم و كان الواجب أن يخضعوا للدليل إذا جاء و أن يعترفوا بالحق إذا صدع و أن يتحروا الصدق في النقل عن العلماء حتى لا يبهتوهم و لا يكذبوا عليهم [ وقل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ].

الأستاذ محمد بن حجر