إستمتع بتلاوة القرآن الكريم

افتراءات داحضة حول التصوف و الصوفية

هذه الرسالة من تأليف الشيخ بالقاسم بن منيع الجيجلي مدرس الزاوية الحسينية بالعمالة القسطنطينية، و قد أجازه خادم الحديث العلامة محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الإدريسي الفاسي في 03 صفر 1340 بجميع العلوم المنطوق منها والمفهوم إجازة عامة مطلقة تامة، و له عدة تأليف منها [ نزهة اللبيب في محاسن الحبيب ] مذيلة بتقريرات له أيضا.

والرسالة التي بين أيدينا أجوبة لأسئلة سأله عنها سيدي عبد الرحمن بن الحاج علي ابن الحاج حملاوي تتضمن حكم الاجتماع للذكر، و إنشاد الأشعار والمدائح، و التمايل و التواجد، و ضرب البند ير، و اتخاذ السبحة.

الحمد لله الملهم للصواب الفاتح لمن أناب إليه الأبواب، الميسر لكل سالك بنية صادقة جميع الأسباب، المزيل عن طريق السالكين القواطع و السوالب بتحرير الأصول و الأمهات من أولى الأذهان الثواقب. و الصلاة و السلام على سيدنا محمد أصل كل مخلوق و موجود و على أزواجه الطاهرات أمهات كل مؤمن مولود، و على ﺁله و أصحابه الموفين بالعهود المزيلين عن طريق الحق كل قاطع و سالب و جحود، و بعد.

فقد سألني من لا تسعني مخالفته أستاذي و غاية مقصدي و ملاذي شيخ المريدين و إمام السالكين لطريق رب العالمين، وحيد دهره سيدي عبد الرحمن بن القطب الأكبر و الكبريت الأحمر سيدي الحاج علي بن الحاج حملاوي أطال الله بقاءه ووالي أمداده و اتقاءه و نفعنا و سائر إخواننا ببركات علومه وأسراره فهومه، جوابا عن اعتراضات اعترضت في الطريق على التلامذة من اجتماعهم و إنشادهم الأشعار الغزلية و المدائح و الرقص و ضرب البند ير و اتخاذ السبحة و حقيقتها   الخ…فأقول و بالله التوفيق:

إن الحقيقة كامنة في باطن الشريعة ككمون السمن في الحليب، و أهل التصوف دأبهم الإقتداء بأصحاب الشريعة و لا يخالفونهم في شيء و إن ظهر لأحد مخالفتهم في شيء فذلك من عدم الإطلاع على اصطلاحاتهم و عدم الوصول إلى كيفية مأخذهم و مشربهم. قال سيدي العربي الدرقاوي: [ أحيا الله من أحيا الطريق و أماتنا و إياه على غاية التحقيق فأحيوا سنة النسبة أحياكم الله و لا تفهموا أن الإنكار ينقطع علينا إلى يوم القيامة لأن تلك سنة الله تعالى في أوليائه، فإن صاحب الحق لابد من كون الوجود يفترق فيه فرقتين: فرقة تعتقد فيه الخير و تقره، و فرقة تعتقد فيه أحواله و تنكره، و هذه سنة الله في خلقه و لن تجد لسنة الله تبديلا و لن تجد لسنة الله تحويلا.

و يرحم الله إمامنا مالكا حيث قال وقد سئل بعض أصحابه عما يقول الناس في الموطأ فقال له: [ يا سيدي! معتقد و منتقد ]، فقال رضي الله عنه: تلك علامة الحق] أو لفظ هذا معناه…

بل لو انقطع الإنكار على الصوفي لثبتت عند العام و الخاص بطالته، لأن العامي لا يتفق إلا على باطل و لذلك قيل: لولا الإنكار ما صحت الدعوى، و قيل: الداخل على الله منكور و الخارج إلى الخلق مقرور، و لكن صاحب الصدق مأمور بالصبر على كل حال، كما أن المكذب مأمور بالإنكار على كل حال ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ).

و الصوفي يسير بكل حال بما يرضي ربه، و حتما أن ما يرضي الله يسخط الناس و ما يسخط الناس يرضي الله ( و الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) إذ الخصوصية كلها في المخالفة كما قيل: [ خالف تعرف و تعرف ] فمن أراد ان يعرف ما عنده من الخصوصية فلينظر إلى ما عنده من المخالفة إذ من وافق الناس في هواهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا، ولا نجاة للصوفي إلا في أخذ سلاح أهل الله الذي هو خرق العادة إذ ما بعث الله رسولا غلا بخرق عوائد قومه [ و لو انتهك الحجاب لظهر الخطأ من الصواب ] و ما سمعنا و لا رأينا أن رسولا أو نبيا أو وليا أظهره الله في وقت من الأوقات إلا و هو منكور عند الوجود و لا يصل إليه أحد إلا من أخذ الله بيده، و ما قال الله لنبيه ( و كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ) إلا تسلية لأمته و ترويحا لقلوب المتوجهين إليه، و لابد أن تلقى الخاصة من العامة ما لقي إمامها من أهل الجدال في ﺁيات الله لتكمل بذلك درجاتهم عند الله تعالى؛ و أصل هذا الاعتراض و منشؤه حب الرئاسة و الشهرة و الحسد عياذا بالله من ذلك و من الذين يعلمون و لا يعملون ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين ) الآية ، و الحديث: ” ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه “.

و لنرجع إلى ما نحن بصدده.

سئل الشيخ أحمد شهاب الدين بن حجر الهيثم – نفع الله به و بعلومه – عما تفعله طوائف اليمن و غيرهم من اجتماعهم و إنشاد الأشعار و المدائح مع ذكر مسجوع هل هو ذكر أم لا؟ و هل يفرق بينه و بين الأشعار الغزلية و المدائح؟ و هل منعه احد من العلماء؟ فإن كان فما سبب منعه؟.

فأجاب نفع الله بعلومه قائلا: إنشاد الشعر و سماعه غن كان فيه حث على خير أو نهي عن شر أو تشويق إلى التأسي بأحوال الصالحين، والخروج عن النفس و رعونتها و حظوظها و التأدب و الجد في التحلي بالمراقبة للحق في كل نفس ثم الانتقال غلى شهوده في كل ذرة من ذرات الوجود و العبادات كما أشار إليه الصادق الصدوق صلى الله عليه و سلم بقوله: ” الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” فكل من الإنشاد و الاستماع سنة و الذي نسمعه عن اليمنية و غيرهم، فإنهم لا ينشدون في مجالس ذكرهم غلا بما فيه شيء مما ذكرناه، و المنشدون و السامعون مأجورون مثابون غن صحت نياتهم و صفت سرائرهم، و أما إن كانوا بخلاف ذلك فيفهمون من كلام الصالحين غير المراد به بما يليق بأغراضهم الفاسدة و شهواتهم المحرمة فهم عاصون ﺁثمون ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم ).

و قول السائل: هل يفرق بين الأشعار الغزلية و المدائح و نحوها، فلا فرق بينهما فيما سبق من أن ما اشتمل على سخف أو هزئ أو مدح معصية أو محرم فحرام و ما خلا ذلك فمباح أو مندوب، و الحاصل أن الفر ق بالمقصود مع النيات و ما اشتملت عليه القلوب و أكنته الضمائر فرب سامع فيحيا. ( كذا بالأصل و لعله: فيحيل أو يحسن )، صرفه إلى الحس و عكسه، فيعامل كل احد بحسب نيته و قصده، و ينبغي للإنسان حيث أمكنه عدم الانتقاد على السادة الصوفية، نفعنا الله بمعارفهم و أفاض علينا بواسطة محبتنا لهم ما أفاض على خواصهم و نظمنا في سلك أتباعهم، و قد شاهدنا من بالغ في الانتقاد عليهم من نوع تعصب فابتلاه الله بالانحطاط عن مرتبته و أزال عند عوائد لطفه و أسرار حضرته، ثم أذاقه لهوان و الذلة، ورده إلى أسفل سافلين، وابتلاه بكل علة و محنة، فنعوذ بالله من هذه القوا صم المرهفات و البواتر المهلكات.

و قد ذكر صاحب ” تحفة الفتاوى ” دلائل جواز الرقص بذكر الله، و الفرح بفضله و توفيقه وجدا و تواجدا، و سرد جملة من الأكابر المقتدي بهم، الذين صدر منهم الرقص بالوصف المذكور، و في ” الفيوضات الإحسانية شرح الأوراد البهائية ” لسيدي عبد القادر بن محمد ابن أبي النور الكمالي قدس سره ما نصه: ” ما يشاهد من بعض الناس من الاعتراض على الطائفة الصوفية، و إطلاق اللسان فيهم بمجرد شم شيء من رائحة العلم فإن ذلك محض جهل و تعصب و افتراء و عمي بصيرة، و هي نزعة شيطانية ليحرمهم بركات القوم و يقطع عنهم فضل الواردات الإلهية حيث علم الشيطان أن هؤلاء السادة لا يشقى من جالسهم و خالطهم، و أن السعيد من أحبهم و رافقهم و تشبه بهم. ” .

و سئل الحافظ ابن حجر عن رقص الصوفية و تواجدهم، هل له أصل أم لا؟ فأجاب بقوله: نعم له أصل، فقد روي أن جعفر بن أبي طالب رقص بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم لما قال له: ” أشبهت خلقي و خلقي، و ذلك من لذة هذا الخطاب، و لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم و قد صح التمايل و الرقص عن جماعة من كبار الأئمة منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء.

و سئل الحافظ المذكور عمن يذكرون الله قياما و قعودا و بالأنغام الموسيقية يالتمطيط، و إظهار ما بين همزة ولام ألف ” إله ” و مد الهاء من ” إله ” و يقولون ” هو ” ” و هي ” و يذكرون بالحلق و هو الحاء بأن يقولوا ” حي، حي ” و يرقصون في بعض الأحيان بالتواجد و الوثبات، و يغيبون عن إدراكهم و يقعون على الأرض، و ينشدون الأشعار و أصناف الكلام المطرب المهيج المحرك للنشاط، و غير ذلك مما يتعلق بأحوال المريدين من أهل الطريق عموما و خصوصا، هل هم حرام أم لا؟ و هل لذلك أصل في الكتاب و السنة؟ و هل يجوز سب مشايخ الطريق أم لا؟ أفيدوا.

فأجاب الشهاب بن حجر – رحمه الله تعالى – بقوله: يجوز الذكر بجميع الأنواع ب ” إيل، لاها ” لورود الشرع بذلك لأن ” إيل ” اسم الرحمن و ” لاها ” اسم المحبوب و لا يلزم ذكر لا إله إلا الله إلا في الشهادتين و الأذان و التشهد، و يجوز الذكر ب ” هو، ها، هي ” و بالحلق و القلب، و يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ” ككاف و هاء و ياء و عين و صاد ” و يجوز الذكر بأسماء الله الحسنى، و يجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم ينكر عليهم و كان رقصهم بالوثبات و الوجد، و حصل لعمر بن الخطاب وجد حتى غاب عن ادراكه.

و إنشاد الشعر و غير ذلك جائز بلا إنكار، و كان الصحابة يتناشدون الأشعار بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم بنكر عليهم، و أصل هذه الطرائق من الكتاب و السنة و لا يجوز الإنكار عليها بالإنفاق، و سب المشايخ إهانة في الدين، و الإهانة في الدين كفر شرعا و عقلا بلا خلاف.

و سئل الشهاب الرملي عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: ” يا شيخ فلان ” و غير ذلك من الاستغاثات بالأنبياء و المرسلين و الأولياء و الصالحين، و هل للأولياء إغاثة بعد موتهم؟. فأجاب بجواز ذلك، و بأن لهم الإغاثة بعد موتهم معجزة للأنبياء و كرامة للصالحين و الأولياء.

و بالجملة فالسكوت عن هذه الطائفة الصوفية اولى، و تسليم حالهم إليهم أسلم، فإن الطعن فيهم مظنة المؤاخذة، و قد سلب كثير ممن طعن عليهم أو أذاهم، و ليس في السكوت عنهم إثم بل فيه سلامة.

و من كلام السادة بني الوفاء: أن أولاد الفقراء يعني أرباب الطريقة كشجرة الزيتون الكبيرة فيها الزيت، و الصغيرة فيها الزيت، و هي لا تخلو من زيت طيب، و من كلام الشيخ محمد الخملي: ” إذا كان أولاد الفقراء رمادا فلا تطأهم فتحترق قدمك، و يوشك أن تقع في سوء الخاتمة و العياذ بالله “.

قال سيدي إبراهيم الدسوقي: ” فيجب عليك يا ولدي التسليم لله في أمر القوم و حسن الظن بهم لا غير ” و كان الشيخ أبو المواهب الشاذلي قدس سره يقول: ” سمعت شيخنا أبا عثمان يقول في الدرس على رؤوس الأشهاد : ” لعن الله من أنكر على هذا الطريق و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل لعنة الله عليه “.

و في الخرشي الكبير و سيدي عبد الباقي عند قول المصنف [ و تمادى المأموم فقط إن لم يقدر على الترك ] ما نصه: ” القهقهة في غير الصلاة مكروهة عند الفقهاء و حرام عند الصوفية “، قاله الإقفهصي كما في أحمد، و لعل بالحرمة الكراهة الشديدة، أو أنهم نظروا فيه لمعنى يوجب التحريم عند الفقهاء لو اطلعوا عليه، إذ الصوفية لا يخالفون الشرع، و من ذلك قول بعض الصوفية بجواز سماع بعض ﺁلات اللهو المحرمة عند الفقهاء لسماعهم منها ذكر الله دون اللهو، فالجواز قاصر على من هو بتلك الصفة، و منه إتلاف الشعبي رضي الله عنه ما يلبسه بنحو حرقه مجيبا لمن قال له بأنه جاء النهي عن إضاعة المال بان إضاعته لمداواة مرض بدني غير منهي عنه، بل مطلوب، فكيف بإضاعته لمداواة مرض ديني، و أنا أفعله لذلك، ففيه مثال أهل الصفة لموافقة الفقهاء، و ما جاز لتداوي الأمراض الظاهرة يجوز لتداوي الأمراض الباطنية بالأحرى، و استعمال الآلات المحرمة لتحريك الباطن بالحضور و الجمع و التعشيق و التنشيط أيضا أنت تراهم جوزوا الآلات المحرمات فكيف بالجائزة.

و في شرح حزب البحر للشيخ زروق الفاسي البر نسي جواب إمام الطائفة حين سئل عن السماع فقال: – ” كل ما يجمع العبد على ربه فهو مباح ” و لا يخفى بأننا ننقل كلام المجيز و لا نتعرض لكلام المانع إن اجتمعنا في تأليف واحد.و للعلامة الأمير كلام طويل نأتي بنبذة منه، قال رضي الله عنه: ” فإن كثيرا من المتعمقين المتقشفين كرهه و أنكره أصلا و فرعا و حقيقة و شرعا، و هذا غلط – إلى أن قال – ذلك يفضي إلى تخطئة كثير من أولياء الله تعالى و تفسيق كثير من العلماء، إذ لا خلاف أنهم سمعوا الغناء و تواجدوا و أفضى بهم إلى الصراخ و الغشية و الصعق، فكيف ينسب إليهم نقص و هم سالكون أتم الأحوال، و معلوم أن السماع يهيج ما في القلوب محرك ما فيها. قال بعض العارفين: ” السماع كماء زمزم لما شرب له: ” إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى “.

ثم الغناء المقارن للدف و الشبابية فإنه ﺁلة كاملة وافية بجميع النغمات، أجازها طائفة من الشافعية و اختاره الغزالي و الرافعي و اختاره الإمام عز الدين بن عبد السلام، و الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، قالوا: ” و هي تجري الدمع و تحرك القلب و تحث على السير و لم يزل أهل الصلاح و المعارف و العلم يحضرون السماع، و تجري على أيديهم الكرامات الظاهرة و تحصل لهم الأحوال السنية، و الكرامات يمنع جريانها على الفاسق. و منهم من أجاز العود و المزامير و ذكر جملة من الصحابة و التابعين كلهم أجازوا العود و إن أضيف إلى ذلك الطنبور فلا يؤثر في التحريم فإنها كلها ﺁلات تقوم لها قلوب الضعفاء و تستريح النفوس بها.

و نقل ابن عرفة إباحة الغناء بالعود، ووقع في الشام سماع حضر فيه كل عالم و مفتي حتى قالوا: ” لو وقع عليهم السقف لم يبق عالم أصلا. و من له ذوق و مشرب ورقة طبع أدرك معنى السماع، و من حرم ذلك فهو محروم هالك و ما يعقلها إلا العالمون “.

و عم عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان تغنيان و تضربان بدفين و رسول الله صلى الله عليه و سلم مسجى بثوبه فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه و سلم عن وجهه و قال: ” دعهما يا أبا بكر فإنهما أيام عيد “.و روت أيضا رضي الله عنها قالت: ” عندي جارية تسمعني فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي على حالتها ثم دخل عمر ففرت فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر: ” ما يضحكك يا رسول الله؟! فحدثه حديث الجارية فقال له: ” لا ابرح حتى أسمع ما سمعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمرها فأسمعته.

و قيل في قوله تعالى: (يزيد في الخلق ما يشاء ) هو الصوت الحسن.قال العز بن عبد السلام: ” إن الله تبارك و تعالى لم يوجب على الواحد منا أن يكون حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا، و الواجب إتباع الكتاب المنزل و النبي المرسل، و من اقتدى بقول عالم سقط عليه الملام و السلام، و لا يلتفت إلى السفلة الأصاغر و ما هم عليه من تعصب و إنكار و لا سيما على الأولياء الكبار، حتى أن أحدهم يسفه بالمقال و لا يدري حقيقة ما قال، و يبيعون ما لهم من الأغراض و لا يبالون بالوقوع في الأعراض، و مثال هؤلاء كمن يرفع برجله عند البول و يرتع بفمه في الميتة، فما أقبح هذا القول، و لم تزل الأشراف تبتلى بالأطراف، سنة الله الماضية.

و لا يخفى أن صوت هذه الآلات غير محرم لذاته، و من ادعى ذلك فليحرم أصوات الطيور الحسنة و غيرها، إذ لا فرق بين الجماد و الحيوان، و لا يقال أن ما فعل في عهده صلى الله عليه و سلم لم يبلغ هذا الغلق و التعميق لان كل شيء كان في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد فيه حتى الملابس و المطاعم، و لم يعدوا الزيادة من الحرام، و مثلوا السماع بالمطر يزيد للطيب طيبا و للخبيث خبثا، و ربما أوجبوه كالتداوي.اھ.

فغن قلت: هذه بدعة مذمومة.قلت: إنك لا تدري حقيقة البدعة و ما المذموم منها، فكل الطرق و ما فيها من الأوراد و غالب الأحوال بدع، لكن البدعة ما هو واجب، و ما هو مستحب، و ما هو جائز، و لا إنكار في هذه الثلاثة، فتدوين الكتب و تدريس العلم و جمع المصحف و ما فيه من النقط و الشكل، و قراءة الصحف في المسجد و بناء المدارس ة تخصيص المساجد و التراويح و حفر الآبار في المساجد و الصلاة على الميت فيه و قول ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” على الميت في حال حمله و قراءة الأحزاب و اتخاذ الكسوة لقبور الصالحين من حرير و غيره و المصابيح و البخور ة التمسح بها و بترابها و نقل التراب منها و تقبيل اليد و قيام الرجل لأخيه و التأنق في الملابس و المطاعم و المشارب، و اجتماع الناس للدعاء عقب الصلاة و طلب الرجل الفاتحة من غيره و قول المؤذن ” أصبحنا و لله الحمد ّ و قولهم ﺁخر الليل: ” الصلاة، الصلاة ” لإيقاظ النائم، و إنشاد المؤذن الأشعار، و التسميع في الصلاة كل ذلك بدع منها ما هو واجب و منها ما هو مستحب و منها ما هو جائز، فمن أنكر شيئا منها فهو محجوج بنصوص كادت أن تكون قطعية.

و لا وظيفة مجموعة من الآيات القرﺁنية، و الأحاديث النبوية، مثل وظيفة الشيخ زروق، و قد قالوا عنها بدعة مستحسنة، فكيف بغيرها من الأوراد و الوظائف.

و لا يخفى بان أول البدع الواقعة في الإسلام، يقع فيها الإنكار الشديد كما وقع بجل الصحابة في جمع المصحف، و كما وقع أيضا لبعض الصحابة و التابعين رضي الله عنهم، في كتابة الحديث، ثم بعد النظر ز استعمال الفكر في تتبع قواعد الشرع و النور المشعشع يتجلى ما كان خافيا في أدلة الشرع فيلحقونه به و يثبتونه فيه، كمسائل القياس و الاستحسان و جريان العمل، و متقدمو العلماء منهم من غلب عليه التجرد، كالقائل بتفضيل التوكل و منهم المشتغل برياضة النفس، و منهم من تغلب عليه الشريعة، و منهم المتفرغ من رياضة النفس المتصدي للإرشاد، و منهم من غلبت عليه الحقيقة، و منهم الميسر الملتمس للأمة و جوها حسنة و طرقا مستحسنة من بحر الشريعة و الحقيقة، فهؤلاء و أمثالهم لخصوا البدعة المستحسنة من قواعد الشريعة و نبذوا المذمومة و هي المعنية بقوله صلى الله عليه و سلم : ” كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار “.

كما أنهم قالوا ببدعة السبحة و أطلقوا من غباوتهم عنان ألسنتهم في التلامذة كما قال بعضهم: ألسنتهم مقايض الأعراض، و أعمالهم مدخلة بالأغراض، راضون عن أنفسهم أتم الرضا، ينظرون إلى الناس شررا، و يمرحون في الأرض تيها و كفرا، معرضون عن علوم الآخرة جل اشتغالهم بالحوادث العصرية و نبذوا لكتاب و السنة وراء ظهورهم.

لقد ذكر فتح الله ابن أبي بكر ألبناني: السبحة مشتقة من التسبيح و هو تفعيل من السبح الذي هو المجيء و الذهاب لان لها في اليد مجيئا و ذهابا، مأخوذة من قوله تعالى: [ إن لك في النهار سبحا طويلا] حسبما نقله عن الإمام الصاحي أبو عبد الله سيدي محمد المرين بشرح ﺁخ ترجمة من صحيح البخاري، ثم قال: وهي إعانة للمتعبد على العبادة.

وكان صلى الله عليه و سلم يعقدها بيده وهي سمة من سمات الخير، وقال قبل هذا: وكان أبو هريرة رضي الله عنه صاحب صيام وقيام يتعقب هو وخادمه وامرأته الليل أثلاثا- يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويسبح في الليل ما يزيد على الألف ويقول،” أسبح بقدر ذنوبي”.

قال الإمام الساحلي : أهل الأوراد الكثيرة والأذكار المتصلة، لا يمكنهم العد بالأصابع خشية الغلط واستيلاء الشغل عليهم بالأصابع بل لا بد لهم من السبحة. قلت : وهذه حكمتها، كما قاله الشريف المقدسي رضي الله عنه روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي لله عنهما : أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يعقد السبحة بيده. وروى الديلمي في مسند الفردوس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ” نعم المذكر السبحة”

ثم ساق صاحب النوامج ما تقدم صدره ثم قال: وحملها في العنق بعد الفراغ من الذكر أولى من إبقائها في اليد لا سيما عند التوجه في الطرقات، لأن العنق محل الطهارة بخلاف اليد. ثم قال الإمام ابن الحاج: وقد صنف الجلال السيوطي فيما يتعلق بها نسخة في استعمال السبحة وهي رسالة لطيفة، استنبط لها أصلا من السنة وذكر فيها أن جمعا من الصحابة منهم عائشة و أبو هريرة و أبو الدر داء كانت لهم السبحة وكذلك جمع من الأولياء كالجنيد والجيلاني ومعروف الكرخي، وللمحدثين حديث مسلسل يتناول السبحة رويناه في جماعة من الشيوخ منتهاها إلى الحسن البصري، ويقال جعل السبحة في العنق عند الفراغ من استعمالها بناء على جعل السيف فيه، كذلك فإنه إذا أباح الشارع – صلوات الله و سلامه عليه – تعليق ﺁلة الجهاد الأصغر كالسيف في العنق و أباح تعليق الكتف بوزن حمل أي ” الشكارة ” و القرابة و الجراب و غير ذلك مما يستعان به في العادات بالعنق، فجعل ﺁلة الجهاد الأكبر السبحة و المصحف و دلائل الخيرات وكون ذلك من باب أولى و أحرى.

قال سيدي العربي الدرقاوي في الرسالة الأولى ما نصه: ” اتخاذ السبحة و جعلها في العنق و اليد ” قد علمت بين يديه صلى الله عليه و سلم و أقرها كما في كريم علمكم، و يكفي في تصحيح هذا المعنى ما أخرجه السيوطي في الحاوي على الفتاوى و ذكر أن له تأليفا سماه: ” المنحة في اتخاذ السبحة “، و إذا كان الأصل جائزا فالفرع يا أخي لا عليك فيه من حيث الكبر و الغلظ، سيما و قد قال بعض العارفين: ” السبحة الغليظة تنشط الباطن و السبحة الرقيقة تنشط الظاهر و تورث الوسوسة في الباطن “. فإذا تقرر ما مهدناه استبان أن الناشئة العصرية مشتغلين بالطعن في المشايخ و القدح في زواياهم، و في أبنائهم، و سائر المنتسبين إليهم، حتى جرهم حسدهم و سوء اختيارهم إلى القدح في سند الطريق الموصل إلى سيدنا علي – كرم الله وجهه – مخذولون ممقوتون قد حرموا التوفيق، و منعوا التحقيق الذي هو ثمرة التصديق، كما يقال: ” أن الاعتقاد ولاية، و الانتقاد جناية” و ما أفلح منتقد عليهم قط. و منهم من تابع أولئك المنتقدون في التفلسف، و التحذلق حتى كاد يكون ذلك منهم شيطه تخرجهم إلى التزندق، فإن إنكار الخصوصية و التخصيص ربما أدى بمن فتح بابه على نفسه إلى إنكار الولاية، و منها يتدرج إلى إنكار النبوة، و منها يدخل في التعطيل و إنكار الربوبية، و أنه تعالى فاعل بالاختيار، و أنه يخلق ما يشاء و يختار، فالحذر، الحذر، من تتبع الأوهام المغرقة من تتبعها في بحر الظلام فإن هذا هو مراد الشيطان من نوع الإنسان – فنعوذ بالله من موجبات سخطه و غضبه، و قد بلغنا أن من هذه الطوائف من يدعوا إلى رفض تقليد أئمة المذاهب و يحذر الناس من إتباع مشايخ الطرق.

فلو فرضنا أن العامة قالوا بقولهم – لا قدر الله – فيا ترى ماذا يبقى من الدين، بل يصير الناس في حكم الأنعام المهملة و البهائم السائمة المعطلة، فلعمري غن هذا لهو الضلال المبين و الخبال المستبين، فإن كان علمهم الذي تعلموه بالأمصار أو غيرها يأمرهم بهذا. و معاذ الله أن يأمر العلم الشرعي الديني بمثل هذا فبأس العلم علمهم، بل الجهل البسيط خير من علم يفضي بصاحبه إلى جهل مركب، و ما أحسن قول إمامنا مالك – رضي الله عنه – : ” زيادة العلم في الرجال السوء كزيادة الماء في الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة ” و العلم النافع ما دعا إلى هدى و نهى عن ردى. و في الحكم العطائية: ” العلم إن قارنته خشية فلك و إلا فعليك “. و منهم من ينكر على الصوفية غاية الإنكار خصوصا أهل الزوايا بالحمير و بأهل البدع و الضلال، و ر يفرق بين من يعتقد في الولي أنه رب يعبد أو ولي يستجاب الدعاء عند ضريحه فقط.

و أيضا من ينكر زيارة قبور الأولياء و يلمزون من يزورهم بالكفر إلى ﺁخر ما موهوا به من التدجيل الذي لا يبرز إلا من قلب من يضمر عليك الحقد.

أما الإنكار على الصوفية فهو بلاء على المنكرين و لا يضر الصوفية شيئا، لأنهم سادة الأمة بإجماع من يعتقد بإجماعه، و إنا إنكارهم على أهل الزوايا بالحمير و بأهل الضلالة…الخ، فهو خروج عن حد الأدب و المروءة و الحياء و دخول في السفه و الطيش و البذاءة، و ليس هذا من أخلاق أهل لإيمان لأن المؤمن لا يكون طعانا و لا لعانا و لا فاحشا كما في الحديث: – و فيه أيضا-” البذاءة من الجفاء و الجفاء من النار”. و فيه أيضا: ” من ﺁذى مسلما فقد ﺁذاني و من ﺁذاني فقد ﺁذى الله ” و الداهية الدهاء و القول الشنعاء حكمهم على عموم أهل الزوايا بما ذكروه، مع أن النصيحة التي هي الدين بنص قوله صلى الله عليه و سلم : ” الدين النصيحة ” و الطي تقتضيه الشفقة و الأخوة الدينية هو أن ينبهوا على ما في بعض الزوايا من الخلل و يرشدونهم إلى الإصلاح بلطافة و لين إما مشافهة أو بوضع رسالة تشتمل على إرشادات تناسب وقتنا الحاضر، فلكل زمان رجال و لكل زمان تصوف، فإنه أدعى للقبول و أقرب للألفة المطلوبة شرعا، و في الحديث الشريف: ” من كان ﺁمرا بالمعروف فليكن أمره بالمعروف “.

أما التشنيع و التعيير فمن موجبات التنفير و في الحديث الصحيح: ” يسروا و لا تعسروا و بشروا و تنفروا ” على أن حكمهم على جميع الزوايا لا يصح إلا بعد الاستقراء التام بل يطوفوا من المحيط العربي إلى المحيط الهندي و من غانا إلى فرغانة و يستقروا الأقاليم و المدن و القرى و الصحاري و الجبال و الجرز و يحيطون علما بكل ما فيها من زاوية و خانقاه يجدون الجميع على غير استقامة، و هذا أمر متعذر عادة إلى على طيار بكرامة أو بآلة صناعية عصرية و أنى له ذلك على أن الاستقراء لا يفيد القطع، و في السلم ألأخضري:

و لا يفيد القطع بالدليل : قياس الاستقراء و التمثيل

و أكثر الزوايا بحمد الله معمورة بذكر الله و قراءة القرﺁن و تعليم العلوم الدينية في الكثير منها، هذا زيادة على إطعام الجائع و كسوة العاري وإيواء الضيف و الغريب و مواساة الفقير، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإرشاد إلى غير ذلك من المصالح العامة و الخصال الخيرية و هذا مما يفرح المؤمنين لا مما يسوؤهم.

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد:: و ينكر الفم طعم الماء من سقم و هذا الاعتراض لا ينشأ غلا عن حسد وكبر و رؤية الغير بالاحتقار و النقص و هذا داء عضال لا يعالجه إلا أرباب القلوب البصيرة بأدوية علل العيوب. و بالجملة فقد قام أرباب الزوايا عن الأمة ببعض فروض الكفاية التي يؤثم الجميع بتضييعها.

بلقاسم بن منيع الجيجلي